لم يعد الرقيب الرسمي وحده من يضع عدسة مكبّرة أمام عينيه وهو يقرأ مخطوطاً ما للقبض على جملة مارقة بالجرم المشهود، فقد خلّف شجرة نسب طويلة يتناسل منها رقباء دينيون ومحامون وقرّاء عاديون، لتنتهي هذه السلالة عند عمّال المطابع، هؤلاء الذين شمّروا عن سواعدهم أخيراً، لاكتشاف الكتب الضالة، قبل أن ترى النور في واجهات المكتبات. حوادث كثيرة أعاقت كتباً لا تحصى من أن تتنفّس في الهواء الطلق بسبب عبارة ما، أو حتى صورة غلاف، أو لوحة ضمن كاتالوغ أعمال فنان تشكيلي.

الحصار لم يتوقّف يوماً، إنما ازداد شراسة، بدءاً من زمن «المكتوبجي» العثماني الذي كان عين الوالي على المطبوعات وصولاً إلى «مطبعجي» اليوم. منذ سنوات، كانت زوجة مدير مطبعة وزارة الثقافة السورية تقلّب بضجر البروفة الأخيرة من كتاب «داكن» للشاعر منذر مصري، أثار ذهولها واستهجانها عنوان إحدى قصائد الكتاب: «ساقا الشهوة»، فنبهت زوجها إلى مكمن الرذيلة في الكتاب، ما أدى إلى منعه نحو ربع قرن، قبل أن يبصر النور أخيراً، في دار نشر خاصة، كما ستمتنع إحدى المطابع الدمشقية عن طباعة لوحات غوغان المرفقة مع كتابه «يوميات غوغان في تاهيتي» بذريعة العري (!). وهو ما سيواجهه الروائي المصري رؤوف مسعد بخصوص روايته الأخيرة «زهرة الصمت»، وحوادث مصرية أخرى لا تحصى. فالظاهرة عربية بامتياز، رغم تراجع نسبة القراءة. ما استدعانا اليوم إلى تقليب هذا الملف المشين لحال الرقابة الأخطبوطية العربية، ما رواه واسيني الأعرج على صفحته الشخصية في الفايسبوك أول من أمس عمّا كابدته روايته «مرايا الضرير» التي صدرت بالفرنسية أولاً (1998)، ثم مُنعت في الجزائر على يد عامل مطبعة، لتصدر مترجمة إلى العربية أخيراً في «دار ورد» في دمشق (ترجمة عدنان محمد). يقول الروائي الجزائري : «أرادت «دار مارينور» نشر الرواية في طبعة جزائرية، خاصة بعدما حصلت على الحقوق عن الدار الفرنسية إلى أن أخبرني الناشر يوم 5 نيسان (أبريل) عام 1999، بأن الرواية لن تصدر في الجزائر لأنّ عاملاً في المطبعة أخبر مدير المطابع بأن الرواية تحوي مشاهد جنسية غير أخلاقية، ونقداً لاذعاً لمؤسسة الحكم بكاملها. أحتفظ اليوم بنسخة واحدة هرّبها لي الناشر. أما بقية النسخ، فقد تم فرمها بجهاز خاص». ويضيف: «يوضع الكتاب داخل حاوية صغيرة تمر عبرها الشفرات الحادة التي تحوّل الكتب إلى قطع صغيرة من الورق يعاد عجنها وتحويلها إلى ورق من نوعية دنيا». ويوضح صاحب «أنثى السراب» قائلاً: «الغريب أن الرواية لم تجد دار نشر عربية واحدة، توافق على نشرها وتوزيعها»، معيداً السبب إلى «جرأتها في الحكي عن الفساد الذي تغلغل في مفاصل المجتمع الجزائري بكافة قطاعاته من خلال سيرة كولونيل مريض نفسياً، معجب بنيتشه، خسر كل حروبه، ويحلم أن يصبح يوماً جنرالاً محترماً، من دون أن يحقق حلمه، وذلك بإحالته إلى التقاعد واضطراره العيش في عزلة، لتبدأ حياته الغريبة، الجديدة، بين العقل والجنون». على الأرجح، فإن واسيني الأعرج اختار هذا التوقيت للإعلان عمّا كابدته روايته هذه قبل 20 عاماً، ردّاً على اتهامات طالته باستثماره الحراك الجزائري والمشاركة في التظاهرات، لتحسين مواقفه الشخصية، فيما تؤكد وقائع الرواية على أنه لم يهادن استبداد السلطة في كتاباته، ليس اليوم وحسب، إنما منذ تسعينيات القرن المنصرم.