القاهرة | صدمة منتصف الليل! هكذا يمكن أن نلخّص ما شعر به الجمهور المصري والعربي المحب للفنان محمود الجندي (1945 ـــــ 2019) بعد انتشار خبر وفاته في الساعات الأولى من يوم أمس الخميس. الصدمة لم تعكس فقط مدى محبة الجمهور لشخص وفن محمود الجندي، لكن أيضاً عدم علمه بأنه عانى خلال الأيام العشرة الماضية من أزمة صحية أودت بحياته، فجاء الخبر الحزين مفاجئاً لكثيرين.

عاد جسد محمود الجندي إلى قرية أبو المطامير في محافظة البحيرة (شمال غرب القاهرة)، وهي القرية التي وُلد فيها عام 1945 قبل أن يمتهن صناعة النسيج في مقتبل الشباب ومنها إلى المعهد العالي للفنون المسرحية الذي تخرّج منه عام 1967. لكنه لم يرَ أضواء الفن مباشرة، بل انتظر ستّ سنوات أخرى أمضاها على الجبهة مقاتلاً في الجيش المصري، ومشاركاً في تحرير سيناء من الجيش الإسرائيلي، لينطلق فنياً بداية في عام 1974.
حسب موقع السينما «دوت كوم»، فإن الممثل الذي رحل عن عمر ناهز 74 عاماً قدّم ما يقرب من 390 عملاً، ما يعكس الطلب الكبير عليه من المخرجين عبر العصور، في السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة، وكذلك عدم تمسكه بأي شروط من تلك التي يفرضها النجوم للوقوف أمام الكاميرا. كان الجندي نجماً من طراز خاص، نموذجاً لفتى الشاشة الثاني وليس الأول القادر على ولوج قلوب المشاهدين، أياً كانت مساحة الدور. وإن كان هذا الخيار بدا له غير مرض في سنواته الأخيرة، إلا أنّه مكّنه من ترك إرث غير قابل للحصر من الشخصيات التي تذكرها الجمهور فور إعلان الخبر الحزين. معظمهم لم يكتب «وداعاً محمود الجندي» عبر صفحات التواصل الاجتماعي، بل كتب «وداعاً سلامة الطفشان» (شخصيته في فيلم «شمس الزناتي» ـ 1991) أو «علي الزهار» (شخصيته في فيلم «اللعب مع الكبار » ــــ 1991) وغيرهما من الشخصيات الأخرى التي تنوعت ما بين الكوميدي والتراجيدي.
ما أغضب الجندي في السنوات الأخيرة هو «قلة التقدير» على حدّ قوله، سواء من المهرجانات الفنية الرسمية التي اتهمها بالفساد لأنها لم ترَ في ما قدمه ما يستحق التكريم، أو التعامل داخل الوسط الفني الذي دفعه إلى إعلان الاعتزال بعد نهاية شهر رمضان 2017 قبل أن يقنعه أصدقاؤه بالعودة إلى الأضواء.

كان قادراً على ولوج قلوب المشاهدين، أياً كانت مساحة الدور


في حياة محمود الجندي دراما أخرى غير تلك التي قدمها على الشاشة. تعرّض منزله لحريق أودى بحياة زوجته عام 2001 ليخرج بعدها شخصاً آخر، ويتراجع عن أفكار وصفها بالبعيدة عن الدين قبل هذا الحريق. ظلّ لسنوات طويلة بعد هذه الفاجعة، ملتزماً بزي سلفي طالما هو خارج البلاتوهات قبل أن يتحرر منه لاحقاً. في تلك الفترة ارتبط بالفنانة عبلة كامل عام 2003، لكن الزيجة لم تستمر طويلاً وارتبط بعدها بكريمة الفنان الراحل جمال اسماعيل، وهو والد المخرج المعروف أحمد الجندي صاحب العديد من الأعمال الكوميدية الناجحة خلال السنوات العشر الأخيرة.
ترك محمود الجندي بصمات مؤثرة خلف معظم الشخصيات التي قدمها للجمهور العربي على مدى مشواره الفني الطويل. إلى جانب «سلامة الطفشان» و«علي الزهار» السابق ذكرهما، تألق في شخصية «الشيخ معاوية» في مسلسل «حديث الصباح والمساء» (2001) أمام عبلة كامل. كما قدم شخصية لطيفة للغاية هي «هاني الحياني» في مسرحية «البرنسيسة» (1984) مع فاروق الفيشاوي وليلى علوي، وهي المسرحية التي أدّى فيها موّاله الأشهر «لو كنت أعرف إن الوعد مداري». غير أن الموال ظهر من قبل في أول مسرحية عرفه الجمهور من خلالها «إنها حقاً عائلة محترمة» التي قدمها عام 1979 مع فؤاد المهندس. وإلى جوار المهندس، ظهر مرة أخرى في مسرحية «علشان خاطر عيونك» (1987). تضاف إلى ما سبق شخصيتا «شوقي رضوان» و«حسين» في الجزءين الأول والثاني من مسلسل أسامة أنور عكاشة الشهير «الشهد والدموع» (1983). كما وقف أمام نور الشريف في الفيلم/ الأزمة «ناجي العلي» (1992). ومن أبرز أفلامه في المرحلة الأخيرة «الفرح» (2009) حيث مشهده الأشهر مع سوسن بدر وإقناعها بالعودة إلى الرقص الذي انتشر بشدة ككوميكس على مواقع التواصل الاجتماعي. كذلك جسد شخصية الأب الغاضب من استهتار نجله في فيلم «الحرب العالمية الثالثة» (2014) أمام أحمد فهمي، ومعه أيضاً ظهر كضيف شرف في فيلم «الكويسين» (2018)، وتألق مع يحيى الفخراني في مسلسل «الخواجة عبد القادر» (2012) فيما كان آخر أعماله التي تعرضها القنوات حالياً «أفراح إبليس» بجزئه الثاني.