قرية العبابيد تشبه بِسماتها المجتمع اللبناني. أناس بسيطون، يحلمون بالقليل، في حين أنّ هذا القليل هو أقل حقوقهم. الناس ومصائرهم معلقون على حبل غسيل. هم الدمى، تتحرك وفق أهواء الوزير، ولو اقتصرت على قضاء حاجاته. على خشبة «المركز الثقافي الروسي»، يقدم هشام زين الدين مسرحية «كوميديا العبابيد»، بمشاركة هشام خداج، ادمون حداد، امل طالب، ربيع ايوب، بيان ضو وسالي فواز.

تجسّد المسرحية علاقة السيد بالعبد، في إطار كاريكاتوري. الخضوع التام جلي هنا، رغم وعي الناس لمرارة واقعهم، وضعف حيلتهم بالتغيير حيناً، ورفضهم له أحياناً، خوفاً من بديل مجهول. الصوت المعارض بينهم شاذّ ومرفوض و«مجنون». لطالما يظهر كغبي يرفض الواقع، وبالتالي يسير برجليه إلى الهاوية، في حين أنّه هو صاحب القول الواقعي والمنطقي، وحتماً غير مرحب به بين قوم يمشي في درب واحد، من دون مساءلة ولا نقد.
زيارة عابرة أصرّ السكان على إعطائها أبعاداً أكبر، وتحليل ما جاء على لسان الوزير، بحثاً عن لفتة يخصهم بها، أو أمل بعيد المنال. هذا الإله الذي حل عليهم فجأة، أعطى صاحب المنزل مكانة أرقى بين عائلته وسكان قريته، تحول من «عبدو» إلى «الأستاذ عبدو»، فهو رأى الوزير وتحدث معه. وبات من يروي تفاصيل الحادثة يتحدث بثقة، كمن ينقل كلام الله. يضيف «عُبيد» (هشام خداج) كلاماً على لسان الوزير، يهين ويحتقر القرية وسكانها، فيبادلونه بالقبول والتصفيق.
تتوالى الأحلام باللقاء الثاني به، ومعها تتوالى المطالب، منها الدخول إلى «الجاندرما» الذي بات حلم الشباب اللبناني، حيث المعاش والطبابة والتعليم مؤمنة، في ترجمة لعلاقة الزبائنية بين الشعب وحكامه. نظموا عرساً مطابقاً للحفلات الانتخابية. زغاريد وأشعار ولافتات تملأ الشوارع، مقدمة من سكان القرية أو أصدقاء الوزير.
عودة الوزير الثانية إلى القرية جاءت كبصيص أمل، لأجله زيِّنت القرية، وجلس السكان في انتظاره. منذ لحظة وصوله، فرض سيطرته المطلقة على السكان. استطاع بسهولة أن يفتن بينهم، بجملة واحدة تتردد بشكل كوميدي، وهي في الواقع ترجمة لإذلال الناس «مش عارف حالك مع مين عم تحكي؟». لكسب رضاه مجدداً، تضرب الزوجة زوجها وأخاها ويضرب الأخ أخاه. لهذه الدرجة يمتلك الوزير القدرة على تأليب أهل البيت الواحد على بعضهم البعض. تنتهي عاصفة الفرح بنكسة معتادة، ليعود الدمى والسكان إلى أماكنهم المحددة لهم على حبل الغسيل. «العمل هو إدانة للناس لا الزعماء» يقول مخرج العمل هشام زين الدين لـ «الأخبار». يريد زين الدين من الجمهور أن يفكر لماذا يؤلَّه الزعيم والمسؤول، حتى مدير في دائرة رسمية يغدو إلهاً. الجميع يريد كسب رضاه. يعلّق زين الدين: «هذه حقوقي البديهية، لماذا أتعامل مع كل مسؤول بهذه الدونية؟». ويرى أنّ الناس لا يريدون أن يغيّروا، فلو أرادوا لاستطاعوا ذلك.
مضمون العمل سياسي- اجتماعي، يترجم واقعاً مأساوياً وقاسياً، جعل الناس يحلمون بلفتة من وزير، وزيارة عابرة والعيش في حلم سؤال الوزير لهم عن مطالبهم واحتياجاتهم. أراد زين الدين تقديم العمل بطريقة كاريكاتورية ساخرة ليطرح القضية ويضيء على مشكلة التبعية والخضوع في المجتمع اللبناني، تاركاً الخيار للجمهور في كيفية التعامل مع ما قدم.

تجسّد المسرحية علاقة السيد بالعبد في إطار كاريكاتوري ساخر


أمل طالب التي شاركت في مسرحية زين الدين السابقة «زيارة السيد الوزير»، اشتهرت في السنة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب فيديواتها القصيرة التي تناولت مشاكل يومية واجتماعية في المجتمع اللبناني. تميزت طالب بلهجتها البعلبكية، فانضمت إلى فريق عمل «لهون وبس» على lbci في موسمه الأخير. لكنها تعتبر أنّ المسرح هو الأساس، فهو الباب الذي أدخلها عالم التمثيل والتلفزيون. تعود طالب إذاً في هذا العمل إلى خشبة المسرح بدور «عُبيدة». تصف العمل بأنه ترجمة للواقع بشكل كوميدي، فالناس ضاقوا ذرعاً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهذا العمل لا يمكن تقديمه بطريقة درامية. وتضيف: «نجسد واقعاً بسيطاً جداً، ما يريده الناس ومطالبهم الأساسية، ما نود قوله هو ألا يستغبوا الناس، فهم على دراية بما يحصل وموافقون على المشاركة في هذه اللعبة».
من جهته، يرى ادمون حداد أنّ هدف المسرحية سياسي، «فكل فعل في الحياة هو فعل سياسي. العمل يجسد واقعاً نعيشه، فالناس راضون بأن يُحكَموا بهذه الطريقة، وهذا ما يحدث في الواقع، فخطايا الزعيم دوماً مغفورة. الفضائح اليومية تمر مرور الكرام، ولا أحد يحاسب». يعزو حداد الأمر إلى خمول وقيود تحاصر الناس، إلى جانب طبقات من الخوف والقمع والحاجة.
حداد الذي يعمل على مشروع «أونلاين» يبصر النور قريباً، ليس مستعداً للعودة إلى شاشة التلفزيون. يعلّق: «لا يتحمّلونني ولا أتحملهم، نختلف كثيراً بدءاً من سقف الحرية إلى شكل البرنامج وصولاً إلى التمويل المشروط فيما المسرح هو مساحة للحرية وللتسلية والتجربة».

* «كوميديا العبابيد»: الخميس والجمعة والسبت ــــ 20:00 ــــ «المركز الثقافي الروسي» (فردان ــــ بيروت). للاستعلام: 03/886092