يقول بلزاك إن «المجد هو شمس الموتى». أحياناً يمكن لهذا المجد نفسه أن يصبح مصدراً لظلمات إضافية داخل قبور هؤلاء. بعد نحو تسع سنوات من موته، عاد اسم مايكل جاكسون إلى الواجهة بكثافة في الشهر الأخير، ليس عبر أغانيه أو نتاجه الفني الذي لم يغب أصلاً بغيابه، ولكن عبر فتح ملف ظننا أنه أُقفل في العقد الماضي، وهو ملف اتهامه بالتحرّش الجنسي بالأطفال.

أحدث وثائقي Leaving Neverland (إنتاج HBO، إخراج دان ريد) ضجّةً كبيرة قررت على إثرها إذاعات عدة حول العالم الامتناع عن بثّ أغاني مايكل جاكسون مجدداً، بالإضافة إلى قرارات لمؤسسات أخرى بمقاطعة الإرث الفني لـ«ملك البوب»، إلى جانب الانقسام الذي أحدثه الوثائقي على مواقع التواصل الاجتماعي بين معجبي جاكسون ومهاجميه. حتى إنّ المعجبين نظموا في بعض الدول وقفات تضامنية في الشارع مع الفنان، في وقت أعلنت فيه مؤسسة مايكل جاكسون مقاضاتها شبكة HBO بمبلغ مئة مليون دولار، متهمةً الفيلم بأنه اغتيال معنوي لجاكسون بشكلٍ فضائحي، و«محاولة شنيعة ومثيرة للشفقة لاستغلال وجني المال من مايكل جاكسون، وإعادة صياغة ادعاءات قديمة وفاقدة للشرعية».
الوثائقي المكوّن من جزءين والهزّة التي أحدثها في عالم الفن والميديا، يلقيان الضوء من جديد على نقاشٍ قديمٍ وإشكالية غير محلولة حول إمكانية فصل الفنّ عن الفنان، ويثيران سؤالاً حول ضرورة مقاطعة أعمال فنانٍ ما، عقاباً له ــ خصوصاً إذا كان لا يزال حيّاً ــ على فعلٍ غير قانوني أو سلوكٍ غير أخلاقي. هذا النقاش وصل إلى مستوياتٍ جديدة في السنتين الأخيرتين، لا سيما بعد فضيحة هارفي وينستين وبدء حراك Me too في أعقابها، لمحاربة التحرش والتمييز على أساس الجنس.

هل نستمر في الاستماع إلى مايكل جاكسون؟
عقب عرض الوثائقي، انتشر هاشتاغ #MuteMJ «أسكتوا مايكل جاكسون». أصدرت إذاعات كندية، أسترالية ونيوزيلاندية قراراً بالامتناع عن بث أغاني جاكسون. متحف كرة القدم في بريطانيا أزال تمثالاً للفنان الأميركي. مسلسل «ذي سمبسونز» أزال حلقة تعود إلى عام 1991 لأنها تتضمن أغاني جاكسون، وشركة «لوي فويتون» ألغت مجموعة الملابس المستوحاة من أسلوبه. كل ذلك مقابل رفضُ المعجبين، الذين يصل جزء كبير منهم إلى حد الهوس بالفنان، ما ورد في الوثائقي وانصرافُهم إلى الدفاع الحاد عن أيقونتهم. يكفي أن تختار حالياً أي أغنية لجاكسون على موقع «يوتيوب» حتى تعثر على التعليقات التي ازدادت في الأسبوعين الأخيرين، والرافضة جميعها تصديق ما جاء على لسان الضحيتين في الفيلم.

أحدث وثائقي Leaving Neverland ضجة وانقساماً كبيراً بين معجبي جاكسون ومهاجميه

على المستوى الفردي، قد تباغتك أغنية لمايكل جاكسون على إحدى الإذاعات بعد أن تكون قد شاهدت الوثائقي أو سمعت الأخبار عنه. ماذا تفعل؟ هل تطفئ الراديو مثلما يفعل المتديّن وقت الأذان؟ أم تغيّر الإذاعة بحثاً عن مغنٍّ «أكثر أخلاقيةً» من جاكسون؟
ما تعرفه يصعب أن تتصرف بعده كأنك لا تعرفه. على الأرجح، ستطاردك صور جايمس سايفتشاك وويد روبسون، حين كان الأول في العاشرة والثاني في السابعة من العمر، في كل مرة تستمع فيها إلى أغنية لجاكسون أو تشاهده في فيديو أو ربما فقط حين تسمع باسمه. كان كلا الطفلين في تلك السنّ عندما بدأ جاكسون يقيم علاقات جنسية معهما. على الأقل هذا ما يرويه الشابان بعد نحو ثلاثين سنة من تعرفهما وعائلتيهما على جاكسون الذي استقبلهم في قصره «نيفرلاند» في كاليفورنيا، جاعلاً من الطفلين نجمي عروضه، حيث رقصا لفتراتٍ طويلة بجانبه على المسرح، كلّ على حدة. تفاصيل تصويرية للعلاقات الجنسية بين جاكسون الثلاثيني آنذاك، وبين طفلين لم يصلا إلى سنّ البلوغ بعد. تفاصيل يمكن القول إنها مثيرة للغثيان، وقد تتركك في صدمةٍ وانزعاجٍ يدومان أياماً. لكن ماذا بعد؟
صحيفة «كورييه أنترناسيونال» الفرنسية جمعت بعض آراء لصحافيين يؤيدون مقاطعة أغاني جاكسون وآخرين عارضوا ذلك. الصحافي ستيفن هايدن في موقع «أب روكس» رأى أن الوثائقي «يدمر ترف الاستماع الأناني لموسيقاه، والذي (الترف) يمكنه أن يجردها من حياته الشخصية، كأننا لسنا جزءاً من المنظومة البيئية التي سمحت له بالاعتداء جنسياً على الأطفال». بالنسبة إلى هايدن، فإن جاكسون، بفضل شهرته، تمكن من إغراء هذين الطفلين وكسْب ثقتهما وثقة عائلتيهما، مشيراً إلى أن «ليفينغ نيفرلاند» يذكرنا بأن الفرح الذي خلقته أغنية بوب (من أغاني جاكسون) عند ملايين الأشخاص، كان ثمنها آلاماً رهيبة تعرضت لها مخلوقات بريئة. في المقابل، رأت الصحافية في موقع «سي أن أن»، كايت مالتبي، أن موسيقى جاكسون تحافظ على مكانة عظمى في الإرث الثقافي الأميركي، وأغانٍ لها أثر مثل Billie Jean وغيرها «ليست أوراماً سرطانية معزولة يمكن أن نقوم باستئصالها»، متسائلةً إن كان علينا أن نفترض أن الفنانين الذين نحبهم، «هم رجال ونساء جيدون». أما مديرة البرامج في Antenne Bayern، أكبر إذاعة خاصة في ألمانيا، فقد اعتبرت أننا «لسنا قضاةً كي نحاسب فناناً». الإذاعة اختارت أن تظل تبث أغاني جاكسون، وتدافع عن هذا القرار بالقول: «هذا لا يعني أننا نتجاهل النقاش حول سوء معاملة الأطفال أو أننا نتقبل استغلالات كهذه. ولكن الموقف بمجمله مربك».
من جهته، لفت موقع «ذي كونفرسايشن» الأسترالي إلى مشكلة أساسية في قرارات عدد من الإذاعات عدم بثّ أغاني جاكسون، وهي أننا ننسى عموماً أن صناعة الموسيقى ليست صناعة شخصٍ واحدٍ، وأن أغنية لمايكل جاكسون، هي في الواقع أغنية عشرات الأشخاص الذين عملوا على إصدارها، بدءاً بالموسيقي وصولاً إلى مهندس الصوت. أي إن عقاب جاكسون على أفعالٍ مشينة، يطال عمل وتعب أشخاص لا ذنب لهم. المقال يذهب أيضاً إلى ضرورة «التذكير المستمرّ بما فعله جاكسون بغرض التوعية ضد الاستغلال الجنسي الذي يشتهر فيه المجال الموسيقي عوضاً عن منع بثّ أغنياته».

فاشية المنع
هذا النقاش الطارئ يأخذنا إلى نقاشٍ أعمّ وقديم جداً مرتبط بالموقف من نتاج فنّان ما بناءً على حياته الشخصية. امتلأت السنوات الماضية بالأمثلة في هذا المجال، لا سيما مع تنامي الخطاب المناهض للاعتداءات الجنسية والتحرش، وازدياد الوعي عموماً بمناهضة التمييز على أساس جنسي. لعلّ المخرج رومان بولانسكي كان أوّل الفنانين المعاصرين الذين افتتحوا السجال حول هذه الإشكالية، بعد اتهامه عام 1977 باغتصاب فتاةٍ في الثالثة عشر من العمر (سامانثا غيمر). اسم بولانسكي يرد في صدارة أسماء المشاهير الذين أثاروا الجدل وخلقوا معضلةً لدى الرأي العام بين الاستمرار في استهلاك نتاجهم الفني وبين اتخاذ موقفٍ أخلاقي يقاطع أعمالهم.
ألفرد هيتشكوك، بابلو بيكاسو، وودي آلن، برناردو برتولوتشي، تشارلي شابلن، وعشرات غيرهم وصولاً إلى كيفن سبيسي. كل هؤلاء طالتهم اتهامات باعتداءات جنسية تجاه نساء أو أطفال (في حالة تشابلن يجري الخلط بين تهمة البيدوفيليا وبين زواجه من فتاة في السادسة عشرة). إلى جانب فنانين كانت مواقفهم السياسية جالبةً للعار تاريخياً بسبب تأييدهم سلطات الفاشية أو النازية، ومعاداة اليهود، وصولاً إلى التهليل للمجازر الإسرائيلية، منهم إزرا باوند، ريتشارد فاغنر، سعيد عقل وغيرهم.
عام 1985، أصدر سيرج غينسبور كليب Un zeste de citron حيث ظهر مع ابنته نصف عاريين في مشهدية إيروتيكية


في مقالٍ له عام 2017 في «الغارديان»، يرى جوناثان جونز أن منع الفنّ هو «عمل الفاشيين في كل زمن». يمكننا النقاش حول عملٍ فني أو حول أعمال لفنان معين، لكن المنع هو فعلٌ غير صائب برأيه، مشبّهاً إياه بما كان يفعله تنظيم «داعش» في تدمر. لكن لنتوقف لحظة عند السياق الذي أورد فيه جونز هذه الخلاصات. لقد كان الكاتب في حينه ينتقد مطالبات البعض متحف «المتروبوليتان» في نيويورك بإزالة لوحة «تيريز الحالمة»، لأنها برأي هؤلاء «تحضّ على البيدوفيليا». اللوحة تصوّر طفلةً جالسة بطريقة قابلة لـ«الجنسنة» (to be sexualized) يرتبط هذا السياق بنقد المنع والرقابة على الأعمال الفنية بسبب مضمونها، وهو الأمر الذي يكاد يصبح مشتركاً بين المتطرفين دينياً وبين راديكاليي الصوابية السياسية (Political correctness). ينتمي دعاة إزالة «تيريز الحالمة» إلى الصنف الثاني، ويمكننا بالحديث عنهم تذكر ما قاله الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك مرةً للدلالة على المبالغة والتطرف الذي بات ينتهجه هؤلاء لا سيما في تعاطيهم مع الفنون. يذكّر جيجك بقرار «ويست أوستراليا أوبرا» الحكومية عام 2014 حذف عرض أوبرا كارمن من جدولها، كون بعض أحداثها تجري داخل وأمام مصنع سجائر، ما قد يمثل تعدياً على غير المدخنين و«إرسال رسائل غير صحية» (!). هذا الإفراط في مقاربة الفنون من زاوية الصوابية السياسية اعتبره بعض النقاد شبيهاً بالممارسات الأيديولوجية القمعية التي اعتمدت تاريخياً التوجيه الأخلاقي للفنّ خدمةً لمجموعة أفكار معينة، غالباً ما يقول دعاة الصوابية السياسية، الليبراليون، إنهم ضدها.
بالطبع مسألة مايكل جاكسون تختلف عما سبق. نحن هنا نتحدث عن محاكمة الفن أو مقاطعته على خلفية الحكم على الحياة الشخصية للفنان. هل نمنع أغاني جاكسون لأنه قد يكون معتدياً متسلسلاً على أطفال؟ هل نتوقف عن مشاهدة أفلام وودي آلن الماضية والآتية لأنه معتدٍ محتمل على طفلة (ديلان فارو)؟ هل نمتنع عن الاستمتاع بتمثيل كيفن سبيسي بعد اتهامه بالاعتداء الجنسي على عشرات الأشخاص بينهم قاصر؟ بالمختصر، هل يمكننا الفصل بين الفنان وفنّه، أو علينا في حال النفور الأخلاقي من الفنان أن نرمي تاريخه الفني كله في سلة المهملات؟
يمكن القول إن هذا السؤال يرتقي إلى مرتبة الأسئلة الوجودية. والخاصية الأولى لهذا النوع من الأسئلة هي بقاؤها بلا إجابة نهائية. لكن الأكيد أن الموضوع ليس متعلقاً بـ«خدش المشاعر» بقدر ما هو مرتبط بدورنا في تقوية الفنان وتعزيز نفوذه الذي مكّنه في المكان الأول من أذية الآخرين. هنا نعود إلى كلمة السرّ في أي علاقة استغلالية: القوة. لو لم يكن جاكسون بهذه الشهرة والقوة والنفوذ الشعبي والمادي، لما تمكن من إغراء الأطفال/ الضحايا. في هذا السياق، يستغرب مخرج الفيلم الوثائقي دان ريد في مقال في «الغارديان» أنه لا يزال هناك مشككون في جريمة جاكسون. يُرجع ريد ذلك إلى ما يسميه «الاحترام الغريزي للموهبة والثروة». والسؤال هنا: لو كان جاكسون لا يزال على قيد الحياة، هل كان خيارنا المضي في الاستماع إلى أغانيه، والأهم شراء أسطواناته وحضور حفلاته ليمثّل تواطؤاً مع الجاني، إذ إن هذا الخيار سيعزز من قوته وامتيازاته اللتين أتاحتا له في الماضي استباحة الأطفال. وإذا كان لا معنى لهذا السؤال في حالة جاكسون، فهو بالتأكيد يصحّ في حالة فنانين آخرين مثل آلن وسبيسي وصولاً إلى المغني المغربي سعد لمجرد، الذي اتُّهم مرتين بالاغتصاب.

«موت المؤلف»
إذا كانت إشكالية «الوحش ــ العبقري» قديمة في تاريخ الفن ونقده، فإن العديد ممن قاربوا هذه المسألة قد استعانوا بنظريات في النقد الأدبي لمحاولة حلّ ما بدا في أحيانٍ كثيرة معضلة. أهم هذه النظريات، نظرية «النقد الجديد» ونظرية المفكر الفرنسي رولان بارت عن «موت المؤلف». النظرية الأولى أطلقها بدايةً الشاعر الأميركي تي. أس. إليوت حين كتب أنه على القراء ـ كي يقيّموا القصيدة التي بين أيديهم ـ ألا ينظروا إلى آثار حياة المؤلف، ولا إلى ما يمكن أن يكون قد قصده المؤلف، لكن عوضاً عن ذلك رؤيتها كمرجع لذاتها منفصل عن العالم. لكن نظرية «موت المؤلف» تظلّ الأكثر شهرةً في هذا المجال، حين أعلن بارت عام 1967 أن الكاتب لا يخلق نصاً، بل القارئ هو من يفعل ذلك.


يرفض بارت تضمين أي حكم نقدي لعمل فني بُعداً أخلاقياً يصل إلى مؤلف العمل نفسه، لأن برأيه لا يجب أن يكون النقد مهتماً بالمؤلف بل بالعمل فقط. وإذا استخدمنا هذه النظرية التخصصية في مقاربة الفن بشكلٍ عام، يصبح مثلاً لا علاقة لجاكسون ـ كشخص ـ بأغانيه، ولا لوودي آلن بأفلامه، ولا لكيفن سبيسي بالشخصية التي يؤديها. النظر إلى العمل الفني من هذه الزاوية، ينزع الامتياز عن الفنان، ويرفع من القارئ (المستمع، المتفرج) ليصبح خالقاً مشتركاً مع الفنان في المادة الفنية. يقول بارت: «في كل مرة، نهتم فيها بنيّات المؤلف وحالته النفسية، نعود إلى المؤلف ــ الإله. نعطي المؤلف قوة تأويلية (على ما نفكر به نحن) وقوة مؤسساتية (على كيف يمكنه أن يتعامل مع الناس من دون عواقب)». ويضيف: «لنقل إن المخرج يخرج فيلماً. ما أن يُسرد الموقف وصولاً لنهاياته اللازمة (...) يصبح (المخرج) خارجاً عن أي وظيفة إلا عن التمثيل القوي للرمز. يحدث هذا الفصل، يفقد الصوت مصدره، يدخل المؤلف موته، وتبدأ الكتابة».
يرى بارت أن صورة الأدب الموجود في الثقافة المعاصرة متمركزة بشكل استبدادي على المؤلف، شخصه، تاريخه، مذاقه، شغفه، والنقد لا يزال يعتمد في أغلب الأحيان على القول مثلاً «إن عمل بودلير الأدبي هو نتيجة فشل بودلير الرجل، عمل فان غوغ هو نتيجة جنونه، عمل تشايكوفسكي هو نتيجة سيئاته؛ تفسير العمل دائماً يعتمد على الرجل الذي أنتجه». يمكن أن نرى بسهولة كيف ينطبق هذا الرأي على معظم الفنانين وليس فقط في المجال الأدبي، وهو ما يؤكده نقاش إمكانية فصل الفن عن الفنان.
تبني نظرية بارت يأمل بقاء الفنّ الجيد بمعزل عن كيف يشعر الناس حيال صانع هذا الفن. من الأدلة على صحة هذه النظرية وواقعيتها، احتفال كثيرين بقصائد سعيد عقل العاطفية وحتى الوطنية، في الوقت الذي يرفضون فيه مواقفه السياسية. الأمر نفسه ينطبق على إزرا باوند شاعر الفاشية. ريتشارد فاغنر وتي. أس. إليوت كانا كارهين لليهود، فيما اشتهر بيكاسو بكراهيته للمرأة. وعلى الرغم من ذلك، يصعب رفض الاستماع إلى مقطوعات فاغنر أو قراءة شعر إليوت، أو مشاهدة لوحات بيكاسو.

الفن والأخلاق: هل من صلة؟
لماذا تبدو لنا مسألة الفصل بين الفن والفنان أشبه بمعضلة؟ ولماذا نعتبر أن هناك ضرورة للتوفيق بين الاثنين؟ في الواقع، لقد شغل السؤال حول العلاقة بين الفن/ الجمال والأخلاق الفلاسفة باكراً. في الأساس، لقد كان «الجميل» و«الخيّر» يعنيان شيئاً واحداً في الحضارة الإغريقية. ولقد أخضع سقراط الجمال للدين والسلوك الأخلاقي، فكان الجمال يهدف بنظره إلى ما يحقق الفائدة أو الغاية الأخلاقية العليا. أما أفلاطون، فقد رأى أن الفن الأصيل هو ما نتج عن معرفة بالحق وأرشد إلى الخير. كان أفلاطون يرى أن «الفن هبة مقدسة للإنسان من العالم الإله»، ولذلك لا يمكن للفن لديه أن يقتصر على مجرد الإحساس باللذة أو الانفعال اللاشعوري وحده، كما حارب الفيلسوف الاتجاه المتعَوي في الفن. من جهته، لم يختلف أرسطو بتأكيده على أهمية الفنون في التربية والإرشاد الخير والفضيلة، لكنه اختلف عن أفلاطون في تفسيره لطبيعة اللذة الجمالية. رأى في هذه اللذة تصفية للانفعالات الضارة بالنفس (Catharsis) وتنظيماً للمشاعر المضطربة في حين خلط أفلاطون بينها وبين الوجدان الصوفي أو اللذة الحسية. واعتبر أرسطو أن تربية الذوق الجمالي عامل أساسيّ في تربية المواطن وتكوينه «تكويناً لائقاً بالإنسان» وصولاً إلى نظرية كانط عن الحكم الجمالي التي تعد الأهم في هذا المجال. رأى الفيلسوف الألماني أن الجميل هو رمز الخير، وهو الفكرة العقلانية التي يتضمنها الحدس في هذا الحكم. والدليل على ذلك بالنسبة له أن الكل متفقون على أن اللذة التي نستمدها من الشعور بالجميل إنما هي لذة مختلفة عن مستوى اللذات الحسية. أبرز اختلاف بينهما أن الأولى غير نفعية وذات خاصية كونية. وهناك آراء معاصرة لفنانين وحّدوا مسعى الجمال والأخلاق، مثل المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي الذي قال في كتاب «النحت في الزمن» إن الفن يكون واقعياً حين يسعى إلى المثال الأخلاقي. وفي كتابه «ما هو الفن»، انتقد تولستوي كلاً من شكسبير، غوته وفاغنر، لأنهم «فشلوا في التعبير عن حقائق بسيطة حول الأخلاق/ الخير، في حين فضلوا برأيه أن يستعرضوا ذكاءهم الشاعري».
احتفل كثيرون بقصائد سعيد عقل العاطفية وحتى الوطنية، في الوقت الذي رفضوا فيه مواقفه السياسية


في مقابل هذه النظرة، رأى الفيلسوف الإيطالي بينيديتو كروتشه مثلاً أن الفن حدسٌ، وبالتالي أنكر أن ينظر للفن على أنه فعل أخلاقي على الطريقة الكانطية. ما دام الحدس فعلاً نظرياً، فهو متعارض مع كل نوع من أنواع التأثير العملي، كما أن الفن ليس قوامه الإرادة التي هي قوام الإنسان الخيّر. فإذا كان الفن غير ناشئ عن الإرادة، فطبيعي أن يكون في حلّ كذلك من كل تمييز أخلاقي. الصورة قد تعبر عن فعل يُحمد أو يذم من الناحية الأخلاقية، ولكن الصورة نفسها من حيث هي صورة لا يمكن أن تحمد أو تذم من الناحية الأخلاقية. في رأي كروتشه، لا تستطيع أن تحكم على شخصية روائية مثلاً بأنها منافية للأخلاق، وهنا يمكن الإشارة إلى بعض المقالات التي نُشرت عقب مقابلة ديلان فارو مع مجلة «فانيتي فير» عام 2013 (مثلت أول بوحٍ عام لها في قضيتها مع آلن منذ صدور الحكم في القضية عام 1992، قبل كتابة افتتاحية شهيرة في«نيويورك تايمز» عام 2014) التي ربطت بين تصوير آلن للفتاة القاصر في أفلامه، لا سيما شخصية ترايسي في فيلم «مانهاتن»، وبين تحرشه المفترض بديلان. يجدد كروتشه النظرة القائلة بأن الفن قادر على تنمية الذوق والإحساس بالجمال وعلى تهذيب الإنسان: «يكفي الفن أنه وسيط رائع للارتفاع بمستوى الإحساس... لكنه عمل إبداعي، لا أخلاقي قبل ذلك وبعده».

خاتمة
عام 1985، أصدر الموسيقي والمغنّي الفرنسي سيرج غينسبور أغنية Un zeste de citron وصوّر فيديو كليب ظهر فيه مع ابنته الطفلة آنذاك، شارلوت، نصف عاريين في مشهدية إيروتيكية، في حين أن كلمات الأغنية تنطوي على معانٍ تلمح إلى حبٍّ غير أبوي، بين أبٍ وابنته (عنوان الأغنية في الفرنسية هو لعبٌ على كلمة Inceste التي تعني «سفاح قربى»). الأغنية والكليب أثارا الجدل بشكلٍ واسع حينها، لكنهما لم يُمنعا بالطبع. وعلى السلم «الأخلاقي»، لعلّ المعاني التي تحملها الأغنية أكثر «دناءةً» مما رأيناه في قضية مايكل جاكسون، ومع ذلك بقي العمل الفني متاحاً ولم يُمحَ من التاريخ. قد يقول البعض إن هناك فرقاً بين نقاش محتوى عمل فني قد يحض على فعل غير قانوني أو غير أخلاقي، وبين اعتداء حدث بالفعل قام به الفنان بسبب امتيازاته وقوته، غير أن فكرة منع العمل الفني تظلّ واحدة في الحالتين.
قد يقرر المرء الامتناع عن المساهمة في دعم فنانٍ ما مدانٍ بجرائم، لما لذلك من تورط في مأزق أخلاقي. أو قد يقرر عدم مقاطعة نتاج هذا الفنان، لأنه مقتنع بأن الفنّ بحد ذاته يقرّب الناس من الخير بمعناه المثالي. أو قد يختار أن يفصل لدى المبدع بين شخصيته الجمالية وشخصيته الأخلاقية، على غرار ثنائية «دكتور جيكل ومستر هايد» ربما. المسألة نسبية وعائدة إلى معايير كل فرد وضوابطه الخاصة والأنظمة القيمية التي يتقبلها أو يرفضها. إلا أن المنع والحجب المؤسساتيين سيظلّان موضع تساؤل وتشكيك. وربما من المفيد في هذا الإطار الإشارة إلى جملة جونز في مقال «الغارديان» المذكور سابقاً حين قال: «مارس رقابةً على الفن... فإنك بذلك تقلّص المستقبل المشترك للبشرية»