يعود فؤاد يمّين إلى المسرح في عمله الجديد «شاطر فؤاد»، ليقول للناس «مين فؤاد». كرسي خشبي توسّط المسرح الصغير في «مونو»، مع إضاءة تنتقل مع تحركات فؤاد خلال تفاعله مع عقله وسرده روايات شعبية وشخصية في آن. في هذه المساحة، يتخبط يمين محاولاً الهروب والنجاة في ظل القيود التي تتحكم به. يرتدي سروالاً شاملاً أسود، يشبه زيّ السجناء، كأنه يدخل لمقابلة المحقق في غرفة المساءلة. يحاول من خلال استطراداته في سرد أخبار شعبية، إخفاء الخوف والارتباك الذي يعتري أي شخص يجد نفسه فجأة أمام محقق غير مرئي. ينتقل فؤاد من حالة نفسية الى أخرى، من المضحك والمسلي، الى المهووس فالخائف والمتردد والنادم والخاضع لكل ما قيل له، وبنى عليه شخصياته العديدة، التي يعرّف عن نفسه من خلالها في بداية العمل، قائلاً «أنا فؤاد، فوفي، فو، فؤاد الكبير». يعود الى طفولته، الى تسمية فؤاد الكبير، حيث لكل شخص لقب، فالمجتمع يحتاج إلى وصم كل فرد. يسرد روايات شعبية عن الخائف، عن قاتل القمر، والطبل، والعنيد، وهم ليسوا إلا فؤاد نفسه. على مدى ساعة من الزمن، يمزج بين الواقعية والسوريالية، ينقل بتدرّج المشاهد من تحقيق إلى جلسة علاج نفسية إلى مساءلة شخصية علنية، ضمن عملية تفكيك وإعادة بناء كل ما صنع فؤاد يمين خلال ٣٣ عاماً. هكذا، يعود للعائلة، القرية، الجامعة، المرأة المحجبة التي أخافته بحجابها، الى دخوله للمرة الأولى منطقة البربير، الى الراهبة التي كانت ترعبه في طفولته. يتساءل علانية عن مواضيع لم يجد الى اليوم جواباً لها، مثل الله والحب. يتخبّط أمام ما يقال له إنّه الصح وما يجب فعله، وبين ما يريده هو وما يفكّر فيه.

في بيت شباب هو «فؤاد الكبير»، في الجامعة هو «فو»، بالنسبة إلى الجمهور هو «فوفي»، وكل اسم له نوع حديث ومنطق معين، فيما هو يبحث عن شخص واحد في كل مكان. في حديث مع «الأخبار»، يعترف يمّين بأنّ بعضاً من التساؤلات في العمل، لن يجد جواباً عنها في حياته، مثل الله. يقول: «تربيتي تقول لي إنّه موجود، وما أواجهه يومياً يقول لي إنّه غير موجود، كذلك الحب، لا أعرف حقاً ما هو». يصف العرض بأنه جلسة علاج نفسي سريعة، تتخللها بعض اللحظات المضحكة «كي يتسلى الجمهور»، وفي الوقت عينه يقدم أحداثاً واقعية مرّ بها الى جانب إضافات سوريالية بخطوط مترابطة. ينطلق يمين من اللاوعي الجمعي الذي يضخّم الروايات ويتناقلها، فيغدو المجتمع هو الذي يقرّر كيف يجب أن يكون الفرد. مثلاً، لكثرة ما رددوا على مسامعه بأنّه يخاف، بات حقاً جباناً. «الصفة التي يوصمنا بها المجتمع منذ الصغر، تشكّل ما نحن عليه في الكبر، فيما داخلياً نحن شخص آخر». والمجتمع لا يقدم شخصاً باسمه فقط، بل يعمل على إيجاد صفة له. لا يزال يمين يحاول الوصول إلى الكمال المفروض. بعد خسارة الوزن، لم يتمكن من الحصول على جسد جميل، ولا تزال بشرته شديدة البياض، والفتيات لا يزلن غير منجذبات له بحسب العرض. رسب في اختبار إضحاك المحقق غير المرئي. تعرّى ليستطيع تناول لوح الشوكولا، ارتجف جسده راجياً هذه القطعة، وتعرّى نفسياً أمام إدمانه للسكر. يأخذنا يمّين في رحلة إلى داخله، الى صراعه مع ذاته ومع المجتمع. عملية صعبة وطويلة، تتطلب شجاعة للوقوف أمام الجميع ليقول: «هذا أنا كما أنا». هذا البوح المسرحي كان يمّين قد قدّم جزءاً منه في بعض أغانيه مع فرقة «مين». إلا أنّ المسرح هو مساحة للبوح، لذلك اختاره لتقديم الفكرة كاملة. من يشاهد العمل ستلمسه إحدى الروايات، من التنمر على البدانة وكل مختلف، إلى العلاقات الشائكة والباحثين عن الله... كل هذه المشاكل الإنسانية هي موحّدة تعني جميع البشر وفق يمين.
في بلد تتعدد فيه الثقافات والانتماءات الدينية الى جانب التفاوت الاقتصادي الكبير بين شرائحه، ينعكس ذلك على أساليب عيش المواطنين. يجد يمين نفسه مضطرّاً إلى تقمص شخصيات ليست هو، ليستطيع الانخراط في هذه البيئات المختلفة. فمن هو فؤاد؟ يسأل في بداية المسرحية. يرد بأنّه لا يزال يبحث عنه وعن هويته الخاصة، يشعر بأنّ له وجوهاً عدة وخلفيات متنوعة، فيمرّ في حالة ضياع في رأسه، وهذه المسرحية هي الخطوة الأولى للوصول إلى من هو حقاً فؤاد. إخراج هذه الأفكار على المسرح يساعد يمين في مواجهتها ليتمكّن من تخطّيها.

* «شاطر فؤاد»: كل خميس وجمعة وسبت وأحد حتى 28 نيسان (أبريل) ــــ «مسرح مونو» (الاشرفية) ــــ للاستعلام: 01/202422