احتضن مسرح «المدينة» الأربعاء الماضي، ثلّة من زميلات الكاتب والصحافي جعفر العطار وزملائه، واكبوه على مدى أكثر من عشر سنوات في صحيفة «السفير»، قبل استقالته منها، ثم إقفالها تماماً عام 2016. «قدامى السفير» لقب يمكن إطلاقه عليهم، بعد مرور هذا الوقت، وتلقيهم خيبة حفرت عميقاً في نفوسهم. تفرّق هؤلاء منذ ثلاث سنوات، الى غير مكان، واليوم، اجتمعوا ليشاهدوا العمل المسرحي الثاني للعطار «أسرار» الذي يخوض فيه الإخراج للمرة الأولى. جيل الصحافي الشاب، الذي اختبر معاني الخيبة، والرقص على مصائر معلّقة، التحم في تلك الليلة، مع المسرحية الجديدة (تعرض كل أربعاء على «مسرح المدينة»)، فبدت أجزاء منها إسقاطاً واضحاً على الواقع الصحافي والمهني في لبنان.

ينطلق العطار من قصص ثلاث نساء، يعملن في البغاء، يتم استدراجهنّ في مهمة صحافية، الى أحد الفنادق. هناك، ينهل صحافي من قصصهنّ ومعاناتهنّ ليكمل ــــ مجبراً ــــ تحقيقاً في صحيفته، بعدما أوقف عن متابعة ملف «البترول»، وأوكلت إليه هذه المهمة. ينطلق صاحب «الإله في إجازة طويلة» من الدعارة «الفكرة/ الكليشيه»، وربط العمل فيها، بظروف النساء القاهرة، ليضيء على دعارة أكبر، وأشدّ بشاعة: الدعارة السياسية والصحافية. بين ديكور ثابت، وضع عليه بعض الأثاث، يعبّر عن مكانين منفصلين (الفندق ومكاتب الجريدة)، تدور حبكة «أسرار» التي استعانت بوجوه تمثيلية جديدة، وبوجه آخر معروف: نادر جبوري (يؤدي دور رئيس التحرير). في المسرحية، قهر يخرج على خشبة المسرح. قهر تصنعه تلك «الدعارة الصحافية»، وارتهان أصحاب الصحف للطبقة السياسية الحاكمة، والمقاولة بالمهنة وبأخلاقياتها. شق مهم يضيء عليه العطار، وعلى أحوال الصحافي المرتهن بدوره من قبل أسرة التحرير. في نهاية المطاف، يضطر الصحافي (يؤدي دوره محمد حجيج) صاغراً، الى القبول بتنفيذ التحقيق الموكل إليه عن شبكة البغاء، وإلا سيكون مصيره الطرد. يضاف الى ذلك تزوير واضح من قبل صحيفته، وتلاعبها بالمادة الصحافية، فيصار الى اتهام النساء بأنهنّ يتاجرن بالمخدرات أيضاً، ويسقن الى السجن، حيث تنتهي المسرحية بمحاكمة كل فرد منهن على حدة.

ارتهان أصحاب الصحف للطبقة السياسية الحاكمة، والمقاولة بالمهنة وبأخلاقياتها


قد يمكن التغاضي عن بعض الهفوات الإخراجية، وخاصة تلك المتعلقة بالانتقال بالأمكنة والأزمنة، وغياب استخدام تقنيات واضحة لإفهام المشاهد بأنّ هناك قطعاً ما في القصة أو انتقالاً الى زمن آخر، لمصلحة نص وحوار محبوكين، دسمين يعبران عن واقع الحال الممزوج بالكوميديا السوداء. إبان تعاقب الفتيات على غرفة الفندق، نرى البطل يرفض إقامة أي علاقة جنسية مع أي منهنّ. بقي الأمر متروكاً لسرد قصصهن وتسجيلها، ما خلا لقاءه بحبيبته السابقة (تؤدي الدور زينة الحريري)، إذ تفرد هنا مساحة لعلاقة عاطفية واضحة، وأيضاً لوصلة رقص (أغنية «ما تفل» مايك ماسي) جميلة بين الثنائي. مساحة تخرج من أثقال العمل المسرحي، لتذهب بنا الى نفحة إنسانية، مطلوبة، يعتمرها الخوف من الفراق، وفي الوقت عينه، فرصة عاطفية تلوّن واقعاً سوداوياً بامتياز. أدوار وزعت، تفاعل الجمهور مع قصصها، وكان اللافت بينها، دور الممثلة فرح بزري، التي أضفت بعفويتها، جواً مميزاً. فرح التي تتقمّص دور امرأة تملك صالون تجميل، وتعمل مرغمة في البغاء، لتعيل ابنها «آدم»، ليست مواصفاتها الجسدية ضمن سلّم المعايير السائدة عن المرأة «المثيرة». فرح بزري، امرأة ممتلئة، وبالتأكيد تعمّد الكاتب إدخالها الى هذا العالم، لكسر هذه المعايير، وتقديم امرأة تعاني، لكنها في الوقت نفسه، تمتلك خفة الروح، وعفوية الأداء.

* «أسرار»: 20:30 كل أربعاء ــــ «مسرح المدينة» (الحمرا) ــــ للاستعلام: 70/713582