مراحل تطور العمارة

يقول رفعة الجادرجي إن العمارة عَرِفَتْ في مسار تطوُّرها أربع مراحل:
1- المرحلة الأولى، هي مرحلة الإنسانياتِ الأولى، حيث استعملَ الإنسان المادَّة التي وجَدها كما هي، فنقلها، وركَّبها تلبيةً لحاجتهِ دون أي تغيير فيها، وأعاد تجميعَها دون المسَاسِ بها.
2- المرحلةُ الثانية، هي مرحلة الإنسانِ العاقل، مرحلةُ مجتمعِ الصيدِ، حيثُ ابتكرَ الإنسانُ بعضَ التقنياتِ فبنى الكوخَ، وأنتجَ الأدواتِ المنزليةِ والملابسَ، وحقَّق بعضَ التحويلاتِ في المادة المتوافرة بطاقاتٍ جسدية بذلها، فأحدثت تحولاتٍ في إحساسه بالمادةِ، وفي وعيهِ بوجوده.
3- المرحلة الثالثة، هي مرحلةُ المُعاصَرة، التي غيَّرت جذريّاً الإنسانَ جسداً ووعياً وأحاسيسَ. عَبْرَ احتكاكه بالمادَّةِ، وتفاعُلِهِ المباشر معها، وأثناء تغييره لها. فحقَّق الفائضَ في الإنتاجِ، وأحدثَ تغييراتٍ جذريةً في حالةِ المادةِ الخام. ظهرت في هذه المرحلةِ الدولةُ المتوسّعةُ ومعها الإمبراطوريات، فشيَّدتِ القصورَ والمعابد. ونشأت الحضاراتُ الكبرى، ومنها:
السومرية، والمصرية، والصينية، والهندية، والفينيقية والمكسيكية.
وكانت الحرفـةُ التقليديـة وسيلة الإنتاج الرئيسة، حيثُ كان التعاملُ مع المادةِ لتحويلها إلى أدواتٍ – مصنِّعاتٍ، يجري في تماسّ مباشرٍ مع جسد الإنسانِ وأَحاسيسِه، يكرّرُ الجادرجي.
وشملتْ هذه المرحلةُ عِمارة القرون الوسطى.
4- المرحلة الرابعة، هي مرحلةُ عصرِ النهضةِ في أوروبا، وعمارتُها، وظهورُ المكننة. لقد ظهرت عِمارة عصر النهضةِ، في أوروبا، بفعلِ عواملَ متعددةٍ إجتماعيةٍ وفكرية. وأولُ هذه العواملِ عاملُ تفرُّد الإنسانِ المصنّع، وإِبعادُه عن المرجعيَّة المشتركة. وقد عرَّف الجادرجي هذا التفرُّد، بمُصطَلَح التشخُّص individuation، حيث تُصبح معه مخيّلةُ المتفرّدِ، حرَّة من التزامِ شبكة الكلجريات (الثقافات، cultures) المشتركةِ السائدة، ومن شروطِ التعاملِ معها، ما مهَّدَ لابتكارِ عِمارة المكننة.

الجامع المركزي في لندن (1969): مقطع عرضي


الجامع المركزي في لندن (1969): الواجهة الرئيسية

- 1- عصر النهضة
يقولُ الجادرجي، إن المُعاصرةَ في العِمارة ظَهرتْ مع ظهورِ عصرِ النهضةِ في أوروبا، في مطلعِ القرنِ الخامس عشر. وتمتدُّ هذه المعاصرةُ، كَموقفِ فكريّ وكمُمارسةٍ، حتى يومنا هذا. وقد تعدَّدت مقوّماتُها، وتنوَّعت طُرزها، خلال هذه الفترة الطويلة. وما يهمّنا من المقوّماتِ المتعدّدة هذه، ثلاث هي:
(1) التشخُّص
(2) الاختصاص
(3) المكننة.
ومن الطُّرُز المتنوعة، ثلاثةٌ أيضاً هي:
(1) الحداثةُ
(2) ما بعد الحداثةِ
(3) عمارةُ العولمة

1-1- التشخُّص
ظهر التشخُّص مع ظهور البورجوازيَّةِ والفكرِ البورجوازي، والثورةِ العلميَّةِ، والفلسفةِ المعاصرةِ، التي حصَرتْ معرفةَ الظواهرِ بالتجربةِ العلميَّة، رافضةً المحدّداتِ اللاهوتية، ومانحةً الإنسان حقَّ البحثِ والتجربةِ، لمعرفةِ الوجودِ، وخصائصِ الظواهرِ الطبيعية. هكذا، ارتقى الحرفيُّ إلى موقِع المعمارِ المتشخِّص، كما ارتقى اجتماعياً إلى موقعٍ في الشرائحِ الوسطى. فالذاتُ الإنسانيةُ هي التي تتعرّفُ إلى الأشياءِ. وما الوجودُ إلا حالات من الجمادِ تتحرَّك ميكانيكياً. في مقابلِ ذلك، الإنسانُ مفكّرٌ حرٌ، يحدّد موقفَه المُتميّزَ من الأشياءِ، ومن كلّ المحدّدات الموروثَةِ عَبْرَ قرونٍ طويلة.

1-2- ماهية التشخُّص
ما التشخُّصُ من هذا المنظورِ، إلا الحريّةُ التي يمنحها المجتمعُ للإنسانِ الفردِ، كي يتجاوزَ المرجعيّة المشتركةَ الموروثةَ، فيصُوغُ مرجعيَّاتِه الخاصَّة، التي قد تُغني المرجعيَّة المشتركةَ إذا قبلها المجتمع، فارتقى الحرفيُّ إلى موقعِ المعمارِ المتشخّصِ، يكرّرُ الجادرجي، وإلى موقعِ المعمارِ الأكاديمي، كما ارتقى في التراتبِ الاجتماعي إلى موقعِ الفئات الوسطى.

1-3- الفكر النهضوي
انتشَرَ الفكرُ النهضويُّ، وظهرَ معماريُّون مبدِعون أمثال برونلِّسكي، وألبرتي، في القرن الخامس عشر في (فلورنسا ــ إيطاليا)، فتعدَّدت المرجعيَّاتُ، وأصبحَ المتلقّي العاديّ عاجزاً عن التحاورِ مع المِعمارِ، بفعلِ اختلاف مرجعياتهما. احتكرَ المعمارُ النهضويُّ الرؤيةَ من جهة، واحتكَرَ متطلِّباتها، ففقَد تماسَّه مع المادةِ ومعَ تقنيَّةِ التعاملِ معها، ومع الحاجةِ الحقيقية للمتلقّي.
وأصبح المتلقّي من جهةٍ أخرى، فرداً كان أو مؤسَّساتٍ اجتماعيةً، متلقياً سلبياً لا دورَ له في الرؤيةِ والتصوُّر. وصارَ المِعمارُ الرؤيوي أُميَّاً في علاقَتِه مع المجتمعِ. إذ أصبحَ يجهل متطلّباتِه الحقيقية وهُمومه. وصارت غالبية المجتمع المتلقية أُميَّةً، في علاقتِها مع التعقيدات المرافقةِ لتصوُّر العِمارة، ولتصْنِيعِها. فأصبَحَ المجتمعُ بالتالي عاجزاً عن تزويدِ المعمارِ الرؤيوي، بتغذيةٍ استرجاعيةٍ مُجدية.
تجسَّدت العِمارةُ الحديثة في أعمالِ جماعةِ «الفرك باند» في ميونيخ في ألمانيا في بداية القرن العشرين


1-4- ظهورُ المكننة
أدَّى ظهورُ المكننةِ في أواخرِ القرنِ الثامن عشر (الثورة الصناعية الأولى)، إلى تصنيعِ الحديد الصبّ الذي استُعمِلَ في تصميمِ الجسورِ، ومحطَّاتِ القطاراتِ، والبيوتِ الزجاجيَّة، وغيرِها من متطلِّبات الحاجاتِ الجديدة، وليدةِ المكننةِ والتقنيَّة. ثم توسَّعت تقنيَّة المكْننة في النصف الثاني من القرنِ التاسع عشر مع «الثورة الصناعية الثانية». فشُيّد القصرُ البلَّوريُّ، والكثيرُ من الجسورِ، ومحطاتِ القطاراتِ، وصالات العرض الكبرى، وغيرها من المنشآت، تلبيةً للحاجاتِ الجديدة. فأتى شكل العِمارة، متوافقاً مع جدليَّة العلاقَة بين المادَّة وطرقِ التصنيع من جهة، ومع الحاجات الجديدة من جهة أخرى، يؤكِّدُ الجادرجي مجدَّداً. أخذتِ العِمارةُ أشكالاً جديدةً تلبيةً لحاجاتٍ جديدةٍ، وتأسَّستْ بذلكَ، المبادئُ التكوينيّة الأوليَّة للعِمارة الحديثة. وفقد المُصنّعُ عَبْرَ الآلةِ، علاقَته السبريانية الحسيَّة بالمادةِ التي يُصنّعُها، فتحقَّق بذلكَ تغييرٌ جذريُّ في طرق الإنتاجِ، أدى إلى نشوءِ الحداثةِ في العِمارة.

1-5- العلاقة الحسيَّة بالتصنيع
أن تَعتَمِد العلاقةَ الحسيَّةَ (السبريانية) بالتصِنِيع، أو أن تُخفّفها وصولاً إلى إلغائها، إن في ذلكَ جوهر التبايُنِ بين التصنيعِ اليدويّ والتصنيعِ المُمكْننِ. وتِبعاً لذلكَ التباينُ الجذريُّ، بين العمارةِ التقليديَّةِ والعِمارة الحديثة.

- 2- أمية المعمارِ، وأميَّةُ المتلقين

2-1- تقدم العلوم، وظهور الفلسفة المعاصرة
مع تقدُّم العلومِ وظهورِ الفلسفةِ المعاصرةِ، التي تداخلت مع العلومِ و تفاعَلتْ معها، واجَهَ أوكهام الفكرَ اللاهوتيَّ بالتجربةِ العمليةِ، وروَّج ديكارت للعقلانية. وبالارتكاز على هذه الأسسِ الفكريةِ الصُّلبة، حطَّم الإنسان الفرد القيودَ التي كبَّلته قروناً، وتمرَّد على المَرجعيةِ المشتركَةِ التي كان مُلتزماً إيّاها. وأعلنَ انفكَاكَه عنها، وتصوُّرَه لمرجعياتٍ جديدةٍ خاصَّةٍ به ساهمت غالباً في توسيعِ المرجعيَّةِ المشتركةِ وفي تغييرها.

2-2- المعمار في المجتمع التقليدي، والمعمار في عصر النهضة في أوروبا
يذكرِّنا الجادرجي مجدَّداً في هذا السياق، بالمعمار في المجتمع التقليدي، حيث كان يقومُ بدورِ الرؤيوي والمصنِّع. هذا المعمارُ الذي صارَ في عصرِ النهضةِ في أوروبا الغربية أكاديمياً، وأصبح دورُه مقتصراً على تصوُّر رؤيةٍ لشكلِ المصنَّع. إنَّه تشخُّصُ عصرِ النهضةِ في أوروبا، الذي حقَّق بظهورِهِ قفزةً فكريَّة، نقلت المجتمَع الأوروبيُّ إلى المعاصرة.

2-3- ظهور معمار عصر النهضة
ظهرَ مع حريَّةِ الفرد في التشخُّصِ وحقّه به، معمارُ عصرِ النهضةِ، يساعِدُه المتخصِّص. وبُنيتْ عِمارةُ عصرِ النهضةِ على حرفةٍ متقدِّمة جسَّدها المتشخِّصُ، تقودُه في تصوُّراتهِ الجديدة، قدراتُه ومعرفتُه وعاطفتُه وأحاسيسُه. وسَّع بذلك شبكة الكلجريات (الثقافات)، ونقل موقِعَه في المجتمع، بحيثُ أصبحَ يجالسُ رجالَ السلطةِ ورجالَ الدين ورجالَ الفكرِ.
يُجالسُ كلَّ هؤلاء، من موقعِ الإنسانِ الفردِ الحرِّ، الذي يتمتَّع بقدراتٍ معرفيَّةٍ وفنيَّةٍ، لا يتمتَّعُ بها غيرهُ من أفرادِ المجتمع. غيَّر الإيديولوجيةَ، وعبَّر عن هذا التغيير بأشكالٍ تصوَّرها بمفرده.
هكذا طوَّرتِ المعاصَرةُ، الطَّرزَ السائدَ في المجتمعِ باسم الفنَّانِ المتشخِّص الذي أضاف رؤىً جديدة إلى وعيِ وجودِه، عبَّر عنها بأشكالٍ جديدةٍ، تصوَّرها بمفرده.
وكما تفرَّد الفيلسوفُ الإغريقيُّ في المجتمعِ، وتصدَّى لمسألةِ قيادةِ الفكرِ فيه، كذلكَ تصدَّى فنَّانو عصرِ النهضةِ لمسألةِ علاقتِهم بالمجتمع، فرفدُوه بأحاسيس جديدةٍ، تصوَّروها لذاتِهم وللمجتمعِ في الوقت ذاته. ترافق كلُّ ذلكَ مع الطباعةِ، ومع الفكرِ العلمانيّ الديكارتي (1596 -1650)، مؤكداً أن الذاتَ هي قطبٌ، يقابلُ الوجودَ والأشياء الأخرى، ويتعرَّف إليها.
وبهذا أصبحت الذاتُ قطباً، يقابلُه قطبُ وجودِ الاشياءِ حولَها، يجزُمُ الجادرجي.
مع حريَّةِ التشخُّصِ، ظهرَ مُبدِعون كثرٌ، ومنهم المعمارُ المتخصِّص، ومن أبرزهم ليون باتيستا ألبرتي Leon Battista Alberti. تعدَّدت المرجعيَّاتُ، وتوسَّعت المعلوماتُ، وتعمَّقتِ المعرفةُ، فعجزَ المتلقيّ العاديّ عن التحاورِ مع المعماريين والفنانين، الذين توسَّعَت معلوماتُهم وتعدَّدت مرجعياتهم.
وبقدرِ ما اكتفى المعمارُ النهضويُّ بالتشخُّص والتصوُّر، فَقدَ تَمَاسَّهُ المباشر والحقيقيّ بالمادةِ وبخصَائصِها. انحصرَ هذا التماسُّ في مرحلةِ التصنيعِ، التي أصبحَتْ من اختصاص الحرفيّ أو العامل.

2-4- المعمار الرؤيويُّ، حَصْراً
انحصَرتْ مهمَّةُ المعمارِ في مرحلةِ الرؤى، وانعزلَ بالتالي عن مراحلِ الدورةِ الإنتاجيةِ الأخرى. ابتعدَ عن هُمومِ المجتمعِ ومتطلِّباتِ المتلقي، الذي فقدَ القدرةَ على تهيئةِ تغذيةٍ استرجاعيَّةٍ مُجدية. أصبحَ من مهمَّاتِ المِعمارِ المُعاصِر، تهيئةُ التغذيةِ الاسترجاعية بالنيابة عن المتلقي، فيستخلصُ الجادرجي من كل ذلك:
1- أولاً، الدورة الإنتاجية في مرحلةِ المعاصرة، فقدتْ شفافيَّة التواصلِ بين مختلف مراحِلها، فإذا تمكَّنت مرحلتا الرؤيويَّةِ والتصْنيعِ، من جعلِ المصنَّعاتِ تتميَّزُ بصفاتٍ إبتمالية، (توازنٍ أمثل) فإن المتلقّي لم يَعُد في مقدورِه أن يُدرِكَها ويقدّرَها.
2- ثانياً، ظهور الإنسانِ الفردِ المتشخِّص، شكَّل عاملاً أساسياً في نقلِ المجتمعِ من صيغتهِ التقليديَّةِ إلى المُعَاصَرة، ومن المجتمعِ الأهليّ إلى المجتمع المدنيّ.

2-5- احتكر المعمارُ النهضويُّ الرؤى.
في خضمِّ هذه التحوُّلات الكبرى في بنيةِ المجتمعِ، احتكرَ المعمارُ النهضَويُّ الرؤيا في الإنتاجِ، وأصبحَ يتعاملُ مع متطلِّباتِ الحاجةِ الاجتماعية، بمعزلٍ عن المُجتمع. وفقد تماسَّه بالمادَّةِ وبتقنيَّة تَصنيعِها. فأصبحَ بذلك أُمياً، لا يعرفُ المتطلباتِ الحقيقيةَ للناس. الناسُ أصبحوا بدورِهم متلقِّين أُميين، عَاجزينَ عن تَزويد الرؤيويّ بالمعرفةِ الاسترجاعيَّةِ المناسبة.

- 3- الاختصاص أو التخصُّص.

3-1- استخدام التطور الصناعي في البنيان.
أدَّى التطوُّرُ الصناعيُّ وإستخدامُه في البنيانِ، إلى تجزئَةِ المعرفةِ الهندسيَّةِ العامَّةِ، إلى معارف عدة متخصِّصةٍ، وتجزَّأت معَها أدوارُ الرؤيويين والمصنِّعين.
مع العلمِ الجديد، أَخذَ التخصُّصُ يتوسَّعُ في مختلفِ مجالاتِ المعرفةِ، ليتمكَّن العقلُ من إدراكِ سعةِ العلومِ، وتعدُّدِها، وتعقيداتِها، فظهرَ المهندس الإنشائيُّ، والمهندسُ الكهربائيُّ، والمهندسُ الميكانيكيُّ، والمهندسُ المسَّاح، وغيرهم. عزَلت متطلِّباتُ الاختصاصِ، المهندسَ المتخصّصَ عن مُعظم متطلّباتِ حاجاتِ المجتمع، وأفقدتْهُ ارتباطَه المباشَر بالمتلقّي. وأصبح هؤلاء كأفرادٍ، في غالبيَّتِهم، يجهلون الكثير من متطلِّبات المتلقِّي الحقيقية، في إحساسه وعاطفته.

3-2- الإنتاج المعاصر والعلاقة مع التغيير.
يكونُ الإنتاجُ المعاصرُ إذاً، بإلغائهِ الجزءَ الأهمَّ من العلاقةِ السبريانية مع التغييرِ الحاصلِ في المادةِ أثناء تصنيعها. يكونُ الإنتاجُ المعاصِرُ إذاً، قد حقَّق تغييراً جذرياً آخر في العلاقةِ بين الإنسانِ المفكّرِ والمادة، إضافةً إلى التشخُّص. ويكونُ قد حقَّق بذلكَ كُلّه، القاعدةَ الإنتاجيَّةَ للعِمارة الحديثة لأنَّ كلَّ حالاتِ التصوُّر للأشكالِ الجديدة، إنما تُبنى على قاعدتين اثنتين:
1- الأولى، مخيّلة العقلِ الذي يتصورُ الحالةَ الجديدةَ، ويتصوَّرُ معها الشكلَ الجديد.
2- الثانية، خصائص المادةِ المتعاملِ معها، والخصائص هي غيرُ متغيّرة. أما المتغيّر فهو المعرفةُ والقدراتُ على التصوُّرِ، وكيفيَّة التعاملِ مع المادة. وكل تغيُّر في مركَّبِ الحاجة، أو في تقنيَّةِ التعاملِ مع المادة، أو في كمية الطاقةِ المستخدمة، كل تغيُّرٍ في أيٍّ من هذه المقرّرات، سيَعْني بالضرورةِ تغييراً في الشكل. فالشكلُ هو المحصّلةُ الطبيعيَّةُ للتفاعُلِ الجدليِّ بين المقرّرين المذكورين، الحاجةُ الاجتماعية والمادة. وفي المقابل تقنيةُ التعامل معها.
إنه تعريف الجادرجي، لظهور الشكل في المصنِّعات، ومنها العمارة.

3-3- المكننة، وفائض الإنتاج
لقد وفَّرت المكننةُ فائضاً في الإنتاجِ. هذا ما يتوقَّف عنده الجادرجي، ليذكّرنا بأنَّ المجتمعَ التقليديَّ عندما حقَّق فائضاً في الإنتاجِ، إنما حقَّقه بجهدٍ بشري، مستهلكاً قوىً وطاقاتٍ بشريةٍ في مجتمعٍ معيَّنٍ، حرّ أو تابعٍ. المهمُّ هنا، أن يعي واحدُنا، أن توفير الطاقةِ وتشغيلَها، كان يحصلُ عَبْرَ جهدِ شخصٍ آخر. ومع إنتاجِ الطاقةِ بواسطةِ الآلةِ، أي المكننة في الإنتاج أو آلية الإنتاج، وحصولِ الفائضِ بفعلِ ذلكَ، تغيَّر توزيعُ الناتجِ وتغيَّر استهلاكُه بين أفرادِ المجتمع، فتغيَّرت بسببِ ذلك العلاقاتُ الاجتماعيَّة تغيُّراً جذرياً.

3-4- تطوُّر العلوم في عصر النهضة في أوروبا
تطوَّرت العلومُ في عصرِ النهضة في أوروبا، هذا ما يُعيدُ الجادرجي تأكيدَه، بهاجسٍ تعليميّ واضح، ليُشيرَ بعدَ ذلك، إلى أن البحثَ العِلميَّ، أخذ يسعى إلى التعرُّف إلى خصائصِ الظواهر.
نيوتن ومفهوم الجاذبية، ودارون ومفهوم الاصطفاء الطبيعي، وماركس ومفهوم القيمة الزائدة. هذا في الظواهر الطبيعية والاجتماعية. أما في الفنون، فهناك موزار وبيتهوفن في الموسيقى، والانطباعيون في الرسم، وغيرهم في ميادينَ أخرى. وجاء العلمُ الحديثُ، ليكتشفَ أن الوجودَ عبارةٌ عن سيرورةِ المادة. وفي هذه السيرورةِ، ظهرت الكائناتُ البيولوجيَّة، بما فيها الإنسانُ وعقلُهُ، وتطورَّت.

- 4- أميةُ المعمارِ و أميةُ المتلقِّين، والمكننة، مُجدداً

4-1- التكرارُ، والمنحى التعليمي الصافي
نرى الجادرجي يكرّر بإصرارٍ مَفاهِيمَه هذه، فيبدو منحاهُ تعليمياً صافياً. يستنتجُ، مُجدَّداً، عند عودتِه إلى العِمارة، بأن غَالبيَّة الناسِ المتلقّين، أصبحوا أُميين في عَلاقتِهم مع الأشكالِ المعقَّدةِ، التي أخذَ المعمارُ يتصورُها. في المقابلِ، أصبح المعمارُ الرؤيوي، المتلقّي للتغذيةِ الاسترجاعيَّةِ، أُمياً في علاقتِهِ مع الناسِ بعامَّة لأنه أنعزلَ عنهُم وأَهمل هُمومَهُم. التوجُّه إلى الطلبةِ، وغَلبة الهاجسِ التعليميّ عنده، واضحٌ. فها هو يُشيرُ، مكرّراً، إلى الفرقِ بين سلاسةِ انسياب المعرفةِ في دورةِ الإنتاج الحرفي، مقارنةً مع إنسيابها في دورةِ الإنتاجِ المعاصر. فانسيابُ المعرفةِ ـ يقولُ الجادرجي مكرّراً ــ كان منسَّقاً بين كافةِ المؤدّين في مراحلِ دورةِ الإنتاجِ الثلاثة، وواضحاً لهم:
1- أولاً، لأن التطور التقنيَّ في الإنتاجِ الحرفيّ كان بطيئاً ومتدرّجاً، بحيثُ يسهلُ على المجتمعِ استيعابُه. هذا ما يؤكّده الجادرجي في كتاباته.
2- ثانياً، لأن التماسَّ بين الحرفيّ المصنِّع والمُتلقّي المستهلِك، كانَ تماسَّاً مُباشراً. وكان كلٌّ منهما، من موقِعهِ، قادراً على فهمِ همومِ الآخر وتقبُّلها.
إلا أن تغيُّراً جذرياً حصل في عصرِ النهضةِ في أوروبا مع ظهور المكننة، فظهرتِ المعاصرةُ في أوروبا في مطلعِ القرن الخامس عشر. أما الحداثةُ فقد بدَت معالمُها الأولى في بدايةِ القرنِ التاسع عشر، وربما في مُنتصفِه. وهي لا تزالُ فاعلةً حتى يومنا هذا، وتظهرُ بُطرُزٍ مختلفةٍ، ومواقف فكرية متعدّدة.

4-2- المكننة مجدَّداً
يعيد الجادرجي تأكيدَهُ لأهمية المَكْننة، في امتدادِ العِمارةِ المعاصِرةِ إلى العِمارة الحديثة، بالاستشهادِ بعِمارة القصر البلَّوري. هو يَرى مُجدَّداً أن شكلَ عِمارة هذا القصر، جاء متوافقاً مع المادتين الرئيستين المستعملتين في بنيانه، وهي الحديد الصبُّ والزجاج. ولبَّى القصرُ في الوقتِ ذاته بطريقةٍ مُثلى، الحاجةَ التي بُنيَ من أجلِها، وهي احتضانُ معرضٍ دوليّ كبيرٍ، لمنتجاتٍ متنوعةٍ، مختلفةِ الأحجام والقياسات. فانتقلتِ العِمارة مع القصرِ، إلى أشكالٍ جديدةٍ أسَّست المبادئَ الأوليَّةَ للعِمارة الحديثة، وحدَّدت صِفاتَها الإبتمالية (المتوازنة بشكل أمثل) الضروريَّة، ومعاييرها الإستطيقية/ الجمالية، التي نضجتْ في العشرينات من القرن العشرين. تجسَّدت العِمارةُ الحديثةُ بدايةً، كما يراها الجادرجي، في أعمالِ جماعةِ «الفرك باند» في ميونيخ في ألمانيا، في بداية القرن العشرين. وسعت هذه الجماعةُ لجمعِ المعمارِ، والحرفي، والصناعيّ، والأكاديمي، في مُمارساتٍ متكاملةٍ تتوافقُ مع متطلِّبات المعاصَرة. ثم تَبعتْها مدرسةُ «الباوهاوس» في ألمانيا أيضاً، بعد الحرب العالميةِ الأولى. ظهرت أعمالٌ مميَّزة، حقَّقها معماريون مبدعون أمثال لوكوربوزييه، وميزفان در روه، وغيرهم. مع هؤلاء وغيرهم في روسيا السوفياتية وهولندا، تأسست حركة الطرز الدولي للعمارة الحديثة.

أصبح المعمارُ الطليعيُّ في عصر الحداثةِ، متعالياً عن همومِ الناسِ، غريباً في مجتمعه


- 5- مقوِّمـــات المعاصــرة، الإيجابيــات والسلبيـــات

5-1- مقومات المعاصرة. النجاح، وتلوُّث البيئة المعمَّرة.
يكرِّر الجادرجي، وبالحِرص الذي ألفناه عنده في كلّ مؤلَّفاته، رغبَتَه في أن تكون مقولاتُه واضحةً للطلبةِ، مفهومةً منهم. يقولُ إن مقوّماتِ المٌعاصَرةِ، هي ظواهِرُ مزدوجةُ الصفة. فهي إيجابيةٌ من جهة، وسلبيةٌ من جهةٍ أخرى. لكلّ من التشخُّصِ، والتخصُّصِ، والمكننةِ، وجهُه الإيجابي والآخر السلبي. لقد استطاع العقلُ البشريُّ عَبْرَ هذه المقوّماتِ، أن يبتكرَ عِمارةً متميّزةً جداً في الجسورِ، ومحطَّاتِ القطاراتِ، والبيوتِ الزجاجيةِ، وغيرها. جاء القصرُ البلَّوريُّ تتويجاً لكلّ هذه النجاحات. إلا أن الوجهَ السلبيَّ، يقولُ الجادرجي، تجسَّد بخللٍ واضحٍ في منتصفِ القرنِ التاسع عشر، تَمثَّل بالمعامِل وبمساكِن العمَّال، التي خلتْ من صفةِ الإبتمال (التوازن الأمثل) وخلتْ أيضاً من أيّ عاطفةٍ إنسانية.
لقد أسَّست المنشآت الجيدةُ التي ذُكِرت، المبادئ الأولية لمفهوم الحداثة في العمارة، وحقَّقت توافقاً جدليّاً بين متطلّباتِ التشخُّص، والاختصاصِ والمكننةِ من جهة، والحاجة الاجتماعية الجديدة من جهة أخرى. تفاقمتْ في الوقتِ نفسهِ، التأثيراتُ السلبيَّةُ لمقوِّمات الحداثةِ بعدما عمَّت العالم. لم ينتهِ القرنُ العشرون، حتى تلوَّثت البيئةُ المعمَّرة بصورةٍ عامة، وخاصةً في بلدانِ العالمِ الثالث، أو بلدان الأطراف التابعة. لقد عمَّت هذه البلدانَ، عِمارةٌ لا تتعاطفُ مع وجدانِ المجتمعاتِ فيها، ولا تؤلِّف أداةً تلبّي حاجاتِ هذه المجتمعاتِ، وعواطفَها، وأحاسيسَها. أصبح المعمارُ الطليعيُّ في عصر الحداثةِ، متعالياً عن همومِ الناسِ، غريباً في مجتمعه.

5-2- العجزُ، عن مواجهة التلوث
لقد عجز الفكرُ المعماريُّ عن مواجهةِ هذا التلوُّث. في حين أدانَهُ فيه مفكّرون كثرٌ، وهم ليسوا بمعماريين، أمثال فريدريك أنجلز، وبيار برودون، وروبرت أوون، وجون راسكن، وغيرُهم، في القرنين التاسع عشر والعشرين. مقوِّماتُ الحداثةِ هي إذاً، التشخُّص والتخصُّص والمكننة. وهي تحملُ تناقضاً جنينيّاً متأصّلاً فيها. يوجزُ الجادرجي مظاهرَ هذا التناقُضِ المتأصّلِ، على الشكل الآتي:
1- أولاً، أطلق التشخُّصُ حريَّة المعمارِ في التصوُّرِ، فظهرتْ مع هذه الحريةِ أشكالٌ جديدةٌ تميَّزت بها عِمارةُ الحداثةِ، كما ظهرتْ من جهةٍ أخرى سلبياتٌ أفسحَتْ في المجالِ أمام الابتذال.
2- ثانياً، تقدَّمتْ المعرفةُ في العلومِ والفنون، وتنوَّعتْ، فظهرتْ معرفةٌ متخصِّصةٌ في حيّز جزئيّ، ما أدَّى إلى نشوءِ علومٍ جديدة. نتجَ من كلِّ ذلك، عزلُ المجتَمع عن المعرفةِ المتطوّرة والمجزَّأة، في آن واحد.
3- ثالثاً، كان تفعيل الدورةِ الإنتاجيةِ ما قبل المكننة، يجري غالباً باستنفاد الطاقةِ البشريَّة. مع المكننة، أصبحتِ الطاقةُ آليةً، فتجاوزتْ القدراتُ الإنتاجيَّةُ محدّداتِ الطاقةِ الجسدية.

أهمُّ مقوِّمات هذه الحركة، أي حركة الحدَاثة:
1- أولاً، توافق الإنتاج المعماريّ مع متطلباتِ المكننةِ في الصناعة.
2- ثانياً، ليبراليةٌ، وربما اشتراكيَّةُ مواقفِ المنظّرين فيها، حيالَ همومِ المجتمع.
3- ثالثاً، إلا أنّ احتلال الدولِ الأوروبيَّةِ الصناعيةِ لمختلفِ بلدانِ العالمِ عسكرياً، واستتباعها لها، أدى كلُّ ذلك، إلى تجاهلِ حركةِ الحداثةِ، للخصوصيَّاتِ الاقتصاديَّة والثقافيةِ والجغرافية والاجتماعية، لهذه البلدان، وتجاهلِ كلّ مقوِّمات الهُوية والتميُّز لديها، فعمَّت أوروبا والعالم، عمارةٌ لا إنسانيةٌ، كئيبةٌ، ملوَّثة، مغرّبة.
5-3- تقنية المكننة، والفرق بين التصنيع اليدوي، والتصنيع الممكنن. حدث تغييرٌ جذريٌّ مع ظهورِ المكننة في أواخر القرن الثامن عشر، يشدِّدُ الجادرجي. صُنّع الحديد الصبُّ، وصُمّمت الجسورُ والبيوتُ الزجاجيَّةُ، وشُيّدَتْ. تطوَّرت تقنيةُ المكننةِ، فشُيّد القصرُ البلَّوريُّ في عام 1851 في لندن. أخذت العِمارةُ، في المرحلةِ التأسيسيةِ لتقنيةِ المكننةِ، شكلاً متوافقاً مع العلاقةِ الجدليةِ بين المادةِ الجديدة وطُرقِ تصنيعها من جهة، وبين الحاجةِ التي تمَّتْ تلبيتُها من جهةٍ أخرى، يكرّر الجادرجي بإصرارٍ هادفٍ. انتقلت العِمارةُ النهضويَّةُ المعاصرةُ بهذا، إلى شكلٍ جديد تأسَّست فيه المبادئُ التكوينية الأوليَّةُ للعِمارة الحَديثة. مع ظهورِ المكننة وانتشارِها، غابَ تماسُّ المُصنّعِ المباشَر مع التغييرِ الحاصِلِ في حالةِ المادة، وتراجعت علاقتُه السبريانية بها.
تُشكّل هذه الحالةُ، جوهَرَ الفرقِ، بين التصنيع اليدوي والتصنيع الممكنن.

* معمار لبناني