ليس خبر غياب شخصية كعازف البيانو جاك لوسييه (1934 ـــ 2019) ما سيصلك باللحظة ذاتها ويقتحم حياتك عبر جميع المنافذ الإعلامية التقليدية والحديثة. هو ليس عراكاً سياسياً على الهواء ولا فضيحة جنسية ولا أغنية جديدة لنجوم الفن الهابط. في الخامس من آذار (مارس)، رحل جاك لوسييه عن 84 عاماً، لكن الخبر وصلنا متأخراً وبالصدفة. لوسييه ترك لنا عشرات التسجيلات لأعمال كلاسيكية غربية أعدّها لتركيبة ثلاثية (بيانو، كونترباص ودرامز) وبمزاج جازي يجمع بين السوينغ والجاز الحديث، محافظاً على بنيَتها الأساسية، ,مضيفاً بعض المساحات الخاصة أو المرتجلة. هذه الأعمال الكلاسيكية التي عمل عليها لوسييه كان لباخ الحصّة الأكبر منها. فالرجل الذي بدأ حياته كعازف بيانو كلاسيكي، وبأداء أعمال المؤلف الألماني، في منتصف الخمسينيات، أي بالتزامن مع صعود النجم الكندي غلان غولد (1932 — 1982)، وجد ربّما ضرورة لمقاربة هذه التحف من زاوية مختلفة تماماً، متكلاً بشكل أساسي على تقنياته ذات المستوى الذي يسمح له بمعالجة مؤلفات باخ الصعبة والمتماسكة. هكذا لمع نجمه في الستينيات، فأنجز العديد من التسجيلات التي حوت أعمالاً معروفة نسبياً للمعلّم الألماني من عصر الباروك، وأخرى أقل انتشاراً شعبياً، كما قدّم العديد من الحفلات مع زميلَيه ومواطنَيه اللذين ارتبط اسمهما به، عازف الكونترباص الأشهر في فرنسا (في مجال الجاز)، الراحل بيار ميشلو (1928 — 2005) وعازف الدرامز العتيق كريستيان غاروس (1920 — 1988)، الذي كان أول عضو تفقده الفرقة.

تسجيلات «ثلاثي جاك لوسييه» الأولى صدرت عن الناشر العريق Decca تحت عنوان Play Bach وحملت أرقاماً من واحد إلى خمسة، بين عامَي 1959 و1964 (أي أسطوانة كل سنة، باستثناء سنة 1962، حيث قطعت الفرقة السلسلة لإصدار أسطوانة مخصصة للمؤلف الألماني كورت فايل). عام 1965 توّج لوسييه وفرقته هذه السلسلة من الإصدارات بإطلالة حيّة على مسرح الـ«شانزيليزيه»، نُشرَت لاحقاً وحَوَت برنامجاً يختصر الأعمال الكثيرة التي راكمها الثلاثي في ريبرتواره.
من باخ انتقل لوسييه إلى مؤلفين آخرين، فأعدّ عشرات الأعمال لكبار الأسماء في عالم الكلاسيك الأوروبي، من موزار وبيتهوفن وهاندل وفيفالدي، إلى شوبان ورافيل ودوبوسي وغيرهم. لكنه عاد أكثر من مرّة إلى مؤلفه المفضّل، باخ، لتقديم المزيد من الأعمال المُعدّة بأسلوب لوسييه الذي يحمل بصمة خاصة، يمكن تمييزها بسهولة.

لمع نجمه في الستينيات، فأنجز العديد من التسجيلات التي حوت أعمالاً معروفة نسبياً للمعلم الألماني من عصر الباروك


بعد سنوات الشهرة في الستينيات والسبعينيات، تبدّلت الأسماء في ثلاثي لوسييه، في الحفلات والتسجيلات، بسبب رحيل عازف الدرامز ثم عازف الكونترباص، لكن التركيبة ظلّت ثابتة، باستثناء بعض التسجيلات التي انضمّ فيها التريو إلى أوركسترا كلاسيكية. وعام 2004، زار صاحب اللحية الخفيفة والشوارب الحليقة مرفأ اليخوت في منطقة سان جورج (مارينا) في بيروت ضمن مهرجان الجاز الذي كان يقام آنذاك في العاصمة اللبنانية (الدورة الأولى من «مهرجان الجاز العالمي في بيروت»). يومها قدّم مع فرقته برنامجاً طغى عليه التيار الكلاسيكي الانطباعي الفرنسي، أي دوبوسي ورافيل، لكنه لم يخلُ طبعاً من أعمال باخ، العنصر الثابت في جميع أمسيات الثلاثي.
لا شك في أن جاك لوسييه كانت له مساهمة في تقريب الموسيقى الكلاسيكية من الناس، وبالأخص أعمال باخ. ففي تلك الفترة، كان الجاز أكثر رواجاً على المستوى الشعبي (في فرنسا والعالم) من الكلاسيك. حتى غلان غولد اعتبر أن مشروع لوسييه مدّ الجسور بين باخ والجمهور العريض. وهذا ما يثبته إدراج بعض تسجيلاته في النسخة الجديدة من أعمال باخ الكاملة التي صدرت قبل أشهر، في الخانة المتعلّقة بالمقاربات الجازية لبعض هذه الأعمال (كما هي الحال بالنسبة إلى لوسييه) أو تجارب الجاز التي تأثرت بأسلوب العملاق الألماني في التأليف أو قصدت محاكات هذا الأسلوب. اليوم بات الجاز بدوره، بعد الكلاسيك، بحاجة إلى من يقرّبه من الناس، بعدما تراجع مستوى السمع والذائقة العامة في العالم عموماً، فمن يملأ الوظيفة التي شغُرَت برحيل هذا الوجه الأساسي في المشهد الموسيقي؟