بفرادة مطلقة، تضعه خارج إطار التصنيفات التشكيلية المعهودة على خارطة الفن التشكيلي في المنطقة، يقدّم محمد الرواس (1951) معرضاً بُنيوياً في «غاليري صالح بركات». معرض يجوز معه القول بأنه يؤسّس لحقبة جديدة من قراءة تاريخ الفن في المنطقة والتعامل مع الفن التشكيلي كمنطلق بحث بصري نوعي فريد وطليعي وجدّي. اليوم يحقّ للمحترف التشكيلي اللبناني والإقليمي أن يقول إننا دخلنا حقبة نوعيّة من التعامل مع الرائين في عالم اللوحة والفنون التشكيلية. إذ لم تشهد الساحة نموذجاً بهذا الزخم التأليفي قط، على كافة الصعد، إلا عبر أعمال الرواس. ذهنياً، عاطفياً، ولناحية التنويعات البصرية على مساحة مسطحة واحدة، واستحضار ومحاكاة سلسلة طويلة من تاريخ الفن التشكيلي منذ الأجداد في حضارات القديمة، مروراً بالآباء الكلاسيكيين وصولاً إلى الحداثويين والمعاصرين.

قد تكون معارض الرواس السابقة طريقاً لهذا المعرض النوعي الذي يكاد يكون كلمة فصل جوهرية، تحاور الذكاء البصري كما الذكاء العاطفي للرائين، وتخاطب أذهانهم وموروثاتهم الثقافية ومخزونهم الفكري، والفني. لكن المؤكّد أن ما نراه اليوم هو أبعد من إطار معرض، بل يشكل بنية بصرية قائمة بذاتها يمكن للباحثين في عالم التشكيل الاعتماد عليها لتأريخ حقبة تأليفية جديدة على المساحة المسطحة، كما للشهود على اكتمال منظومة بصرية «رواسيّة» فريدة، ذات بصمة لا تشبه سواها.
عمل الرواس لا يشبه عمل أيّ كان رغم أنك قد تجد في هذه الأعمال مخزونك المفضل من تاريخ الفن التشكيلي ممتزجاً ومتجاوراً مع كمّ هائل من الحقبات المختلفة. ستجد مادة بصرية من عند فيرميير، وأخرى من عند كارافاجيو قرب حقيبة نسائية من ماركة «لوي فيتون»، ثم نموذجاً من فيلاسكيز، فوجهاً من وجوه المانغا اليابانية الأكثر معاصرة. أجل كلّها هنا، تتحاور على هذه المساحة، لتخلق حديثاً فريداً، واستثنائياً في تنوّع ثراه الفكري والبصري، تتبعه بعينيك وذهنك كما يريد لك الفنان ذلك. هو يعرف تماماً متى يوقف الخط الأحمر، ومتى يمدّ لك جسراً أصفر لينقلك من نقطة إلى أخرى. لكن الهندسة البصرية المتكاملة هذه لا تُبعد الرواس عن الواقع، بل تغمسه فيه، فهو يحاكي واقع الحال، وأعماله في مضمونها تعليقات. تعليقات على كل شيء. على حياته. وعلى حياة المجتمع الذي ينتمي إليه. وبيئته. لكنها في الوقت عينه وفي الأساس بنيان بصري يشغل الرواس بحثياً.

«قطار 22» (زيت وأكريليك على كانفاس ـ 200 × 250 سنتم ـ 2016)

«ما تريد أن تقول لا يعني بالتحديد مفهوماً ذهنياً، قد يعني أيضاً مفهوماً بصرياً، بحثاً بصرياً. العناصر التي تضمّنها عمل فني واحد لي، لا تجمع فقط بين معالجة أساليب فنية مختلفة كما ذكرت سابقاً، ولكن أيضاً تجمع مشهديات من أزمنة مختلفة مستمدّة من تاريخ الفن الكلاسيكي والحضارات القديمة أحياناً، ومن الحياة المعاصرة. لذلك، هناك هذا الجمع على صعيد البحث البصري وعلى صعيد معاني مضمون المفردات. كل مفردة على حدة، مستمدة من أزمنة مختلفة. هل يمكن أن تعود جميعها لطرح الإشكالية؟ هل يمكن أن يتجاور القديم والجديد في عمل واحد آني/ راهن؟ وما هي النتيجة؟» يقول لنا الرواس.
في هذا المعرض بالتحديد، يقدم الرواس نتيجة تجربة طويلة، مفتاحها كان إيجاد لوحة له مفقودة منذ 40 سنة، وهي كانت مشروع تخرجه من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية إبان الحرب الأهلية. في حين كان يظن طيلة الـ 40 سنة أنه فقدها إلى الأبد، كانت عودتها باباً لمشروع ترميمها أولاً. وهي كانت في الأساس بقياس مترين طولاً ومترين ونصف عرضاً. هكذا، انكبّ الفنان على عملية دقيقة ومحترِفة بمساعدة «محترف فضول خلوف للترميم»، لإعادتها إلى حالة جيدة. معايشته لفترة شهر ونصف لهذه اللوحة، أعادت إلى ذهنه وأحاسيسه المرحلة التشكيلية التي كان قد مارسها حينها - أي منذ 40 سنة - وكانت تشبه إلى حد كبير مرحلة التعبيرية التجريدية الأميركية، وبشكل خاص أعمال أرشيل غوركي. يقول الرواس: «عندما انتهيت من مرحلة الترميم، ووصلت إلى حالة إشباع و أنا أنظر إلى هذا العمل بتفاصيله، شعرت بسؤال مُلحّ: ما الذي يدفع الفنان لترك أسلوب والدخول في أسلوب آخر؟ هذا السؤال واجب، أردت أن أجيب على نفسي وقلت: هل يا ترى ما زالت هناك إمكانية وحيّز وصلاحية/ صحة لأسلوبي حينها، وبأن يتآخى ويتجاور ويتمازج مع أسلوبي الحالي؟ ماذا لو مزج الإحساسان الجماليان في عمل واحد؟ هل يمكن لعمل فني أن يتضمن بورتريهاً مرسوماً لشخص بشكل كلاسيكي وتكون إلى جانبه ضربة فرشاة بلون بشكل تلقائي وعفوي؟ إن هذه تستغرق ثانية أو أقل للتحقيق، فيما المعالجة المجاورة قد تستغرق أسبوعين. ما هو الانطباع الناتج عن رهان مماثل؟ أعمالي في هذا المعرض هي إجابة على هذا الرهان. حاولت أن أدمج بين أنواع ممارسات للوحات تجريدية أقدم، مع الواقعية التصويرية الدقيقة التي أرسمها مرحلياً في لوحاتي».
مشهديات من أزمنة مختلفة مستمدة من تاريخ الفن الكلاسيكي والحضارات القديمة، وصولاً إلى الحياة المعاصرة


يقدم الرواس في هذا المعرض المواد البصرية التي عمل عليها كلها بلا استثناء. هنا تتجاور الأعمال القديمة منذ نصف قرن مع الأعمال الجديدة التي حوت تأليفات مستوحاة منها، أي إن العمل القديم المرمّم مثلاً، يرافقه العمل الجديد والتخطيط الأساسي الذي بني على أساسه مشروع التخرج قبل 40 سنة. كما أن العناصر التي اختارها في لوحاته من أعمالٍ سابقة له، سيجدها الرائي كلها هنا، لتشهد وتخبر القصة، لا بل لتطرح أمام الباحثين مادة أبعد من حدود التأريخ، بل لتذوّق «المعتّق» خمراً بصرياً، والاستمتاع الأوسع بلعبة المزج. والأهم لرفع مستوى المصداقية إلى أقصاه. إذ يطرح الرواس أمام الجميع كل مصادره كمن يدعو الناس للعب اللعبة كاملة معه. للاستزادة والتعلم والدهشة، وحتى النقاش.
الخطير أن لا حياد أمام أعمال الرواس. كما لا حياد بين عصفور وحبة قمح. فالمعرض يفجر مجدداً الجدل والنقاش القائم منذ فجر التاريخ التشكيلي، بين العاطفية الصرفة والعقلانية الصرفة. ثم يوحّده بقدرة هائلة بعد التفجير. فقد استطاع الرواس أن يجمع الكل في لعبة استثنائية. نعم تشكل أعماله نقطة جدل بين الأذواق التشكيلية المعاصرة، لكثرة الدهشة والأنماط والزخم المعلوماتي والعاطفي والبصري فيها. فهي لخاصة الخاصة، لكنها حتماً ستصدم كل راءٍ. والأدق أنّها تشكل نقطة التقاء فريدة الأهمية، وكبيرة الأثر بين كل هذه التيارات الذوقية البصرية. فنحن وعلى اختلافنا، نركض لنراها، نلهف لما قد تعطيه. وندخل في لعبتها. نغوص في عوالمها. أما من هم مولعون بها، مأخوذون بسحرها، فمدمنون على اللعبة البصرية المشوقة، كما اللعبة الذهنية، والتأريخية، والثقافية، و الفكرية.. الإنشائية، والتأليفية. كموسيقى لا نريدها أن تنتهي! ولحسن حظنا، لا تنتهي ولا تتكرر، بل تتجدد باستمرار.
هذه الأعمال مشحونة ومركبة عاطفياً وعقلانياً، بقصد واضح عبر اختيار كل تفصيل فيها من قبل الفنان، وكذلك اختيار هذا النموذج/ موديل بهذا التعبير وبهذه الوضعية دون سواها.

«أفاتار» (زيت وأكريليك على كانفاس ـ 130 × 140 سنتم ـ 2017)

قد يحلو لبعضهم أن يفكك عراها ليبنيها من جديد في ذهنه. كيف أُبدِعَتْ تقنياً؟ ما مكوناتها؟ خاصة أن الرواس يعتبر أنّ لا مادة نبيلة ومادة أقل نبلاً. كل مادة تعطي وتبث انطباعاً ما تشكيلياً سامياً ونبيلاً. وبالمادة هنا نقصد أنواع التقنيات التي يستخدمها التشكيليون على مختلف الأسطح. «موقفي من المواد المستعملة في الفن التشكيلي، كان وما زال، دوماً يأخذ في الاعتبار الحساسية اللونية لكل مادة. في أحيان كثيرة، أجد أنّ هناك حاجة لاستعمال إمكانيات الألوان الزيتية لتحقيق الرسمة التي تتطلب دقة ووقتاً طويلاً لرسمها بشكل واقعي. لكن الأكريليك يجف بسرعة ولا يعطيني المجال لتنفيذ هكذا صورة واقعية. لكن في أماكن أخرى من اللوحة حيث يسيطر لون أحادي مسطح، لا أجد مانعاً من استعمال الأكريليك لهذه المساحة لأنه يفي بالحاجة. وقد أجد أحياناً ضرورة لاستعمال الفحم، وخاصة فوق مساحة ملونة بألوان زيتية، بحيث تمتزج ذرات الفحم مع الزيت، تاركةً خامة أو قماشة تعبيرية خاصة وممتعة في حالات ما، أو أستبدله بقلم الرصاص لنفس التوجه والهدف. غنى هذه المواد والانطباعات التقميشيّة هي في الواقع فحوى عمل الفنان. والمعرض في غالبيته، ألوان زيتية وألوان الأكريليك. أحياناً يوجد رصاص أو فحم لهدف تشكيلي محض لإغناء الأثر/ الانطباع البصري لخامة اللوحة» على ما يقول الرواس.
وفي هذا المعرض بالتحديد، يقدم الرواس عمل نحت واحداً، هو امتداد لتجربته في تنفيذ أعمال نحتية بدأها أوائل عام 2013. حينها أنتج تسعة أعمال نحتية ثم عاد إلى الرسم. كان الدافع لتنفيذها هو محاولة دفع تجربته التي دامت سنين إلى استعمال التركيب/ assemblage في لوحاته السابقة، حيث كان يضيف تشكيلات ثلاثية الأبعاد مستعملاً الخشب والألمنيوم وغيرهما من مواد على مسطح اللوحة الذي كان حينها من خشب المعاكس. «كنت دائماً أتساءل أو أشعر بأنه يجب أن أحاول أن أنفذ بهذه المواد، بدل أن أضعها على مسطح اللوحة، أن أخرجها من إطار اللوحة وأجعلها قائمة بنفسها كمجسّم مكتمل. حققت هذا التمنّي مع بداية 2013 وعملت عليه. في هذا المعرض، قمت بإنتاج عمل نحتي جديد، هو الأكبر من بين الأعمال النحتية التي قمت فيها سابقاً. وهو ينسجم تماماً مع اللوحات المعروضة نظراً إلى أن اللوحات المعروضة تتضمن في أحيان كثيرة، صوراً لمجسماتٍ بيضاءَ. إما هي أشياء موجودة في اللوحة أو أنها تأخذ شكل بنايات أو إنشاءات معمارية موجودة على خط الأفق في المشهدية التي أعالجها. لذلك كان نوعاً من اكتشاف العلاقة بين المجسم ثلاثي الأبعاد، وبين صورته أو صورة أجزاء منه موجودة في أكثر من لوحة» وفق ما يشرح لنا الرواس.
«غزل البنات» (زيت وأكريليك وغرافيت وفحم على كانفاس ـ 120 × 130 سنتم ـ 2018)

محمد الرواس، هذا الفنان اللامنتمي إلى مدرسة واحدة مكرسة وموجودة بشكل واضح في تاريخ الفن الحديث، بل يشعر أنه يحكي تقريباً نفس اللغة ولو بنسب متفاوتة مع فنانين من مختلف الحقبات التشكيلية، لا يمكن تأطيره. فبيتر بلايك حاضر عنده في لغته البصرية، وفي أماكن أخرى يجد نفسه ميالاً بشكل كبير لمنهجية أويان أوغلو. وفي أوقات، يشعر بميل لحساسية ريتشارد دايبنكورن. كما أنه في أحيان كثيرة، يرى في نفسه ميولاً لمعالجات أنسلم كيفر أو حتى ليون كوسوف أو أورباك. لذا هذه الحساسيات الموجودة في المطلق، موجودة من عند دافيد، حساسيات من فيرمير وحتى كارافاجيو. «ليس ذلك بإرادتي» يقول لنا الرواس، ويضيف: «أنا أنفعل وأتفاعل مع هذه الحساسيات المتباينة على مر الزمن. وربما هذا ما يجعلني أقدر عملاً لفنان مثل جاسبر جونز مثلاً وعملاً آخر لترايسي إمن أو عملاً لأحد الفنانين المعاصرين! أو الغرافيسم الخاص بإيغون شيلي. كنوز! كنوز! هي كنوز! أنا أحب كيف كان فيرمير مثلاً يرسم، وأجد متعة بإعادة رسم الواقع بأسلوب فرمير. لكنني في آن أحب أن أُدخِل هندسيات فرانك غيري وأحب أن أراها قرب بعضها». ويختم: «الفن، كريم، والتجربة التشكيلية غير متناهية. وهذا اللامتناهي، يشبه اللامتناهي في أمزجة الفنانين. بطبيعة الحال، العمل الفني يتوازى فيه الفكر والعاطفة. وكل المعالجات والتوجهات مسموحة ومقبولة وصالحة. لكن أنا هنا أتوقف لأقول: على الفنان أن يكون متطلباً إزاء نفسه قبل أن يكون متطلباً إزاء أي شيء آخر. عندما يقوم بتنفيذ أي لوحة بأسلوب ما، عليه أن يسأل نفسه: هل أنا في هذه المعالجة وفي هذا الطرح قدمت جديداً؟ هل أنا في هذا العمل أكرر إلى حد كبير تجربة عشرات بل مئات الفنانين قبلي؟ إذا وجدت أن ما أقوم به لم يصل بعد إلى حد التفرّد بأن يحمل بصمتي الخاصة، عليّ أن أستمر في البحث والتفتيش لسنوات، قبل أن أصل إلى شيء مختلف في معالجتي التي نمت مع الخبرة. لا أقول مختلفاً 100 في المئة ولكن يحمل على الأقل 30 في المئة من الحساسية الشخصية الخاصة التي تضيف على اللوحة. هل يا ترى ما قدّم جديد؟ هل فاجأني بطرح لم أره سابقاً؟ هذا هو المعيار».

«الأعمال الأخيرة» لمحمد الرواس: «غاليري صالح بركات» (كليمنصو ــ بيروت). للاستعلام: 01/365615