نصادفهم يومياً في شوارع المدينة. يتوزعون على الأرصفة، وفي الزواريب الضيقة المهملة. أفراد باتوا كثراً لفظهم المجتمع على أطرافه، بعدما خلقهم من رحم سياساته الاقتصادية والاجتماعية. يقفون بعيداً عن المجتمع وصخبه. يفضلون العزلة والوحدة، لا حباً بالظلام والسكون، بل بحثاً عن بقعة أمان وفرح. أولئك الذين يفضلون أن تصحو الشمس وتغيب من دون أن يلحظهم أحد. الجميع يتفاداهم. يشار إليهم من بعيد على أنّهم الغرباء، والشواذ، و«الوحش»، عنوان مسرحية جاك مارون الجديدة التي تقدم حالياً في قاعة صغيرة في الأشرفية، دافئة، بمسافة قريبة بين الممثلين والجمهور، فيشعرون بأنّهم جزء من العمل. لمدة ساعة وربع الساعة، يجسد داني وبيرتا (دوري السمراني وكارول عبود) كل ما يمثلانه من قضايا المجتمع ومشاكله وتبعاته السيكولوجية على الأفراد.

يخرج المشاهد من العمل وفي رأسه أسئلة كثيرة وأفكار حول محطات عاشها، وشخص أحبه، وقف ذات يوم أمامه وقال: «أنا وحش». ذاك الغريب الذي يرفضه الجميع، وهو لا يريد سوى القليل من الحب وسؤال صغير عن ما يؤلمه.
داني رجل وحيد وعنيف وعدائي، هو ذاك النوع من الرجال الذي تهابه الفتيات. يمكن أن يكون «مارسو» في رواية «الغريب» لالبير كامو، أو ذاك المهمش الذي نلتقيه في متجر الخضار.


بيرتا امرأة تحاول إكمال حياتها الروتينية رغم كل القيود الذكورية التي جعلتها ما هي عليه اليوم ومسؤولياتها التي لم تخترها، من أب عنيف وزواج مكرهة عليه، وطفل حمل بدوره التركة القاسية. وجعان التقيا فتحابا، أمام كل تعقيدات الحياة، يمكن لشرارة بسيطة أن ترسم ابتسامة صغيرة، ومكاناً آمناً يعرف الوحش أنّه ملجأه ليعود فقط داني.
في نص واقعي وبسيط وقوي في آن، ينتقل داني وبيرتا من نادٍ ليلي إلى غرفتها الخاصة، من غريبين إلى متحابين. ليست الصدفة ما جمعتهما، بل الوجع، والحاجة إلى البوح به لأي شخص، والتحدث للغريب أبسط لسهولة نسيان اللقاء بحد ذاته. لا قيود على النص، ولا ممنوعات، فيظهر العدائي كما هو، يهدد بالضرب ويضرب، يكيل الشتائم للجميع ولبيرتا، حتى الأحاديث العابرة لا تخلو من الشتائم، فاللباقة ليست من شيم «الوحش». لا تخجل المرأة المكسورة من دعوة رجل أعجبها إلى البيت، هي التي خسرت نفسها كامراة وابنة يوم «أخطأت» مع والدها، وبقيت تجلد نفسها على فعلٍ لم تجد غيره لتهدئة حفلة عنف وجنون لوالدها العنيف.
يظهر الخوف والوجع في صوت داني وبيرتا، في انحناءاتهما خلال السير، التقوقع خلال جلوسهما في النادي. يندثر هذا القلق في استسلامها للحظات الحب، ليعود ويظهر في خوفهما من خسارة هذا الفرح بعد انتهاء المغامرة.
تظهر كارول عبود مدى حبها لشخصية «بيرتا»، رغم اختلافها التام عنها، فهذا أكثر ما جذبها في العمل: «لو لم أقدّم هذه الشخصية، كنت سأجنّ». في حديث مع «الأخبار»، تشير عبود إلى أنّ المسرحية بشكل عام قوية ومكتوبة بشكلٍ جميل، وما يوصف بالجرأة هو واجب على كل ممثل حسب الدور المكتوب: «لا أعتبر ما نقدمه جرأة، بل أمراً جديداً كأي عمل مسرحي». بيرتا هي المرأة التي تبكي وتضحك وتضرب وتصرخ وتحب. تحاول عبود إدخالها إلى أعماقها، ففي الشكل ستبقى كارول، فيما بيرتا شيء أعمق، امراة ممزقة من الداخل، تتألم مثل الجميع، لكن ألم كل فرد مختلف عن الآخر.
الشخصيتان هما «عاطلتان». الحياة همشتهما، لكنهما جميلتان من الداخل، مثل الورود، وحساستان، وداني أكثر حساسية. العمل ليس تبريراً للعنف بقدر ما هو اعتراف بأنّ للعنف دوافع، من العائلة والأب والأصدقاء وزملاء العمل. فالكون مليء بالناس المهمشين ولا أحد يهتم بهم. اسم «الوحش» صادم للوهلة الأولى، خاصة أنّ الجمهور اعتاد على دوري السمراني في الأدوار الشريرة. «لكن عندما ندخل إلى أعماقه نفهمه، ندرك ما الذي أدى به إلى واقعه، هناك مبررات كثيرة وأنا أدافع عنه، لأنه ليس المذنب، مثلما نشاهد شخصاً قبيحاً، لا نعطيه فرصة ليظهر ما يكتنزه، نحن دائماً نحكم على الشخص وفق الانطباع الأولي للشكل الخارجي» يرى السمراني أنهم يضيئون على الوجع كدعوة لإيجاد حل.
لا يخفي السمراني خوفه في البداية من النص، ومدى إمكانية تقبل الجمهور له، «إلى أن أغرمنا بالمشاهد واحداً تلو الآخر وصولاً إلى النص كاملاً خلال التمارين». فرصة العمل في المسرح كانت مغرية للسمراني أكثر من العمل بنفسه، كونه أول ظهور له على خشبة المسرح، خاصة مع جاك مارون لأنه دقيق في اختيار النصوص.
يفضل مارون النصوص الواقعية التي تجعل المشاهد يفكر، ليكون العمل مرآة لشخصيات موجودة في المجتمع


قرر جاك مارون عرض العمل في «محترف الممثلين اللبنانيين»، ليفتح الباب أمام الجمهور للتعرف إلى هذه البقعة الفنية، حيث اعتاد الفنانون الاجتماع بها للتدرب والنقاش والتحضير لأعمالهم الفنية، من دون أن تُلغى إمكانية تقديم العرض في مسرح.
التقى مارون الكاتب جون باتريك شانلي منذ سنوات في نيويورك وأخبره عن رغبته بتقديم بعض من نصوصه، و«الوحش» أحدها. هذا النص عالمي، غير محصور بزمان ومكان معينين ولا بثقافة محددة، فيمكن لأي شابين في العالم أن يعانيا من مشاكل داني وبيرتا. يفضل مارون النصوص الواقعية القوية التي تجعل المشاهد يفكر، ليكون العمل مرآة لشخصيات موجودة في المجتمع. ولشدة واقعيته، لن يكره المشاهدون الشخصيات، بل سيتعاطفون معها. يدرك أنه لا يمكن تقديم عمل يرضي جميع الأذواق، فلكل نوع جمهور، «المهم أن يحب الناس العمل الذي نقدمه والجهد المبذول لتنفيذه».
العمل تستمرّ عروضه حتى نهاية آذار (مارس) مع إمكانية التمديد إلى نيسان (أبريل) «باقون إلى أن يقول الممثلان أنّهما تعبا» يقول مارون. يعكس العمل الخفة في أن يقف المجتمع ويصوب اتهامه على أفراد، فتتكتل أصواته، واتهاماته، ونظراته وخوفه على أكتاف المهمشين.

* «الوحش»: حالياً في محترف الممثلين (مار متر ـ الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/200448 - 79/128170



محترف الممثلين اللبنانيين
فور عودته إلى لبنان، أسس جاك مارون في ٢٠١١ «محترف الممثلين اللبنانيين» في منطقة الأشرفية ليكون مساحة لقاء بين الفنانين للنقاش والتدرب والتحضير لأعمالهم الفنية. المكان مجهز للتصوير والتمارين والصوت، وطوّر اليوم ليستقبل الجمهور، فباتت تجهيزاته أفضل وأكثر تطوراً، بدءاً من الإضاءة إلى عازل الصوت عن الخارج، ومساحاته المختلفة.
مكان العرض صغير نسبياً، فيما الكراسي وضعت كمدرج، ويتسع المكان لـ 40 شخصاً. لا فاصل بين مساحة الاستقبال والمسرح، ما يخلق نوعاً من الحميمية بين صنّاع العمل والمشاهدين. تتزين جدرانه بلوحات فنية، وملصقات لأعمال مارون السابقة مثل «فينوس».