يمتلك الكاتب والممثل المخرج جو قديح ما لا يمتلكه غيره: إضافة إلى كاريزماه الشخصية، قدرة كبيرة على أن يكون سباقاً في طرح الأمور الجدلية. المخرج الذي قدّم في السابق علاقاتٍ إنسانية خاصة وملتبسة في «علاقات خطرة» والعلاقات الزوجية/ الإنسانية الأكثر تعقيداً في «بتقتل»، عاد وطرق باب الحرب الأهلية من خلال مسرحيته «أبو الغضب» التي أداها وحيداً (standup comedy) متناولاً الحرب بين الإخوة لا من جوانبها المعتادة والحزينة المؤلمة، بل من خلال ذكراها وذاكرتها التي تحمل شيئاً من الطرافة على رغم الألم.

مسرحيته «الشر الأوسط» التي تنطلق عروضها بعد غد الخميس في «مسرح مونو»، سهلة وخطيرة في آن. إنّها كوميديا سوداء ومركزة، «قصدت فيها أن نلتفّ على الدراما بطريقة كوميدية أيضاً لأن هناك أشياء جدية.

طلال الجردي وأنطوان بلابان وبيار شماسيان في العرض

الكوميديا التي اخترتها مرتكزة إلى المحرمات. جلال (يقصد الراحل جلال خوري) كان يقول لي بأنّ هناك العديد من التابوهات: الجنس والدين والسلطة والموت؛ وأنا حاولت مقاربتها جميعاً في هذه المسرحية» هكذا يصف جو قديح «الشر الأوسط» (The Middle Beast) التي قدمّها على «مسرح برودواي» عام 2003، ليعود ويقدّمها في لبنان عام 2008. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كل هذه الإعادات: «المسرحية ليست محدودة لا بوقت ولا بزمن. صراع الحضارات هذا عمره 6000 إلى 7000 سنة ولن ينتهي. حتى لو وقعت وثيقة سلام بين فلسطين وإسرائيل يوماً ما. الصراع سيتوارث من جيل إلى جيل» يجيب قديح. تحكي المسرحية حكاية قد تبدو معادة: «الصراع الأبدي بين الحضارات الواقعة في هذه البلاد». ثلاثة أشخاص تقع عليهم جثةٌ من علٍ. ماذا يفعلون أمامها وهم يكرهون بعضهم بهذه الطريقة؟ كيف يمكنهم الحياة مع الأمر أو مع بعضهم؟ كيف ستكون نهايتهم جميعاً، فيما لا أحد منهم يطرح سؤال من أين أتت الجثة ومن المستفيد من وجودها بينهم؟ كلها أسئلة تطرحها «الشر الأوسط».
ماذا عن اختياره لأبطاله؟ يوضح: «أنطوان بلابان كان عملاقاً في المرة الأولى، لذلك بقي نفسه، لكننا أضفنا أشياء جديدة على شخصيته وعلى العرض ككل. طلال الجردي عرضت الدور عليه في عام 2008 ولم يأخذه، أعدتُ عرضه عليه الآن فأخذه. سولانج تراك بدورها خلقت الشخصية التي تؤديها من جديد. بيار شماسيان أضاف الكثير أيضاً إلى الشخصية التي يؤديها». يسرّ جو لـ «الأخبار»: «من المهم أن تعرف أنني جربت العديد من الممثلين ولم يفلحوا». ويؤكد: «ممثلو المسرحية مهمّون للعمل، كونهم جميعاً لديهم هواجسهم، فضلاً عن أنهم اشتركوا في خلق المسرحية بهذا الشكل الذي ستصدر عليه». موسيقياً، ألف موسيقى المسرحية ميشال اليفترياديس، يشير جو إليه: «ميشال صديقي وهو مثقف جداً؛ كما أن موسيقاه ذكية للغاية». أحد أبرز الأسئلة التي تطرح حول المسرحية هي مكان عرضها، إذ انتقل قديح من مسرحه الأثير «الجميزة» الذي أنشأه ورممه ورتبه حتى يكون «مسرحه الخاص» إلى «مسرح مونو»، فلماذا هذه «النقلة»؟ «في البداية أنا كمخرج أو ممثل، لست محدداً بمسرحٍ معين، ولو كان مسرحي. لكن للإجابة عن سؤالك بدقة: مسرحي صغير وحميم. في هذه المسرحية، أحتاج إلى مسرح ذي سقف عال. وبصراحة إذا استكملناها لاحقاً، سأعرضها هنا لكني سأعدّل عليها. «مونو» هو بيتي أيضاً وقد قدمت العديد من المسرحيات على خشبته».
يقارب «التابو» السياسي في منطقة تضج بالمشاكل الإقليمية


لا ينسى قديح أن يهدي العمل لمعلمه الأثير جلال خوري: «أهدي هذه المسرحية إلى أستاذي جلال خوري، الذي لم يفارقنا لحظة، هو معنا كل الوقت. جبران يقول «المحبة لا تعرف نفسها إلا ساعة الفراق»». هو يشير إلى أن جلال شارك في التحضير لنسخة عام 2003. «حتى إن الأغنية العبرية التي يغنيها أنطوان بلابان في بداية العمل اختارها جلال خوري» يشير قديح. تعمل في المسرحية ماري كريستيان طياح المساعدة الدؤوبة والنشيطة لقديح، فـ «هي قلب العمل وروحه في لحظةٍ ما». ولا ينسى قديح أن يشكر مارك قديح، وإيلي كرم لمشاركتهما في صناعة النص، فضلاً عن تهاني نصّار التي ساعدت في «تدقيق اللهجة الفلسطينية». «الشر الأوسط» مسرحية تقارب «التابو» السياسي في منطقة تضج بالمشاكل الإقليمية بطريقة كوميدية سوداء.

* «الشر الأوسط»: بدءاً من بعد غد الخميس حتى 24 آذار ـــ «مسرح مونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 71/994666



الممثلون

أنطوان بلابان: الشرير الجميل
إنه من أجمل الشخصيات «الشريرة» في الدراما اللبنانية. يعود أنطوان بلابان لدوره الذي تركه في عام 2008. هو اعتقد أنه نسيه في بداية الأمر، لكن ما أن بدأت التدريبات من جديد حتى عاد لتذكّره وبدأ «يعزف» بعفوية كما يشير: «كنت أعتقد أني نسيته، لكن منذ بدأنا التمارين تذكرته كما لو أنه قطعة من الموسيقى التي نعرفها. ما أن بدأت التدريبات حتى بدأت أعزف بعفوية. لقد قدمت هذه الشخصية منذ 11 عاماً، لقد تغيرتُ كثيراً منذ ذلك الوقت، ازداد وزني 20 كيلوغراماً، أقلعتُ عن التدخين. كل شيء فيك يتغير حتى طريقة المشي». في تعامله مع شخصية «اليهودي»، يطرح بلابان مقاربةً جميلة لتلك الشخصية: «شخصية اليهودي في المسرحية أحبها كثيراً. فأنا لا يمكنني أن أكره شخصية أؤديها؛ لا يمكنني أن أكرهه: فليكرهه الناس. هذا له علاقة بالتمثيل؛ كثيراً ما أعطوني أدواراً مركبة وأحياناً مزعجة جداً. «برسومة» مع إيلي اضباشي كان يغتصب زوجته ويضع عليها جلد الماعز ويربطها بالجنازير. قال لي إيلي يومها الغريب أن الناس لا يكرهون الشخصية. فأجبته بأنّ الممثلين يخطئون عندما يحاكمون الشخصية التي يؤدونها فيعتبرونها مجرمة. المجرم لو عرف أنه مجرم لم يكن ليفعل جريمته. هو شخص عادي يفرح ويبكي. أنا أقول إن الممثل مثل المحامي، ممنوع أن يقاضي شخصيته». يشرح الممثل اللبناني والأستاذ السابق للهندسة في الجامعة اللبنانية فكرة الشخصية الشريرة: «أنا أحب الشخصيات والأدوار الشريرة أدائياً، وأنا لا أخفيك أنني أبحث عنها لتأديتها، ثم إن أغلب الأدوار التي أديتها كانت شريرة».

سولانج تراك، ليست وجهاً جميلاً فقط
إنها من «أعمدة» المسرح عند جو قديح، تراها في كل أعماله خصوصاً الأخيرة. سولانج أو «سولا» كما يناديها الجميع، عرفها الجمهور اللبناني مع مسرحيته «علاقات خطرة» ثم كرت السبحة، فما هو سر تلك الصداقة/ العمل؟ تشرح الممثلة اللبنانية: «العلاقة مع جو ليست سهلة عندما تكون صديقاً لشخص مثله، إذ ليس من السهل أن ترضيه في العمل لأني أعرفه خارج المسرح أيضاً، إذ هناك أيضاً صداقة عائلية. هو لا يعاملني كصديقة. منذ 6 سنوات أصبحنا صديقين قريبين على الرغم من أننا تعرفنا منذ أيام الجامعة، لكننا لم نكن نتحدث كثيراً». ثم تعود لتستطرد: «جو يعاملني بقسوة في العمل، لا يتساهل كوننا صديقين». ماذا إذاً عن دورها في المسرحية الجديدة؟ الفتاة الأميركية التي تشبه دور «القدر» في المسرح الإغريقي: «الدور لا يشبهني أبداً. أتت فكرة الشخصية بالصدفة؛ الدور غير موجود بنفس الطريقة في النسخ السابقة من المسرحية. لقد أضفتُ إليه الكثير. كنت أقرأ المسرحية بالإنكليزية خلال التدريبات، فكرت أن أقدمها بطريقتي، فطلب جو أن أعطيه «لهجة» معينة فتكلمت بلهجة ولاية تكساس فقال إنها جيدة وطلب أن أعتمدها. هي تؤكد أن الشخصية تركّب وتصنع بحسب ما يجد صناع المسرحية: «أحياناً كثيرة نسمع لهجات متعددة وتعلق في ذاكرتنا من دون أن نعلم وفجأة أتت هذه الفكرة ومعها العلكة وبعض النكات الطريفة وكبر دوري عندما أحبه جو. الجميل في جو أنه يعطي ثقة وحرية للممثل وحرية».

طلال الجردي، فلسطينيٌ كثيراً
بعد نجاحه في مسرحية «بتقتل» التي كانت فاتحة العمل مع جو قديح، يعود طلال الجردي متقمصاً دور «الفلسطيني» في «الشر الأوسط». إذ يتحدث اللهجة بإتقان (خصوصاً بعد وجود مصححي لهجة فلسطينية في العمل). يؤكد الجردي: «مريح العمل مع جو، وأنا فرح بهذا العمل بالتحديد لأنني أشعر أننا بحاجة إلى تقديم مادة فيها شيء مما يحدث في منطقتنا وفي البلد. نحن لا نعيش في كوكب آخر، ولا نريد أن نختبئ خلف إصبعنا، خصوصاً في هذه المرحلة». يشرح الجردي عن المسرحية: «فيها ما يتعلق بقضايانا كعرب، وفيها الكثير من القضايا الحميمية والوجدانية؛ فضلاً عن أن طرقها لعناوين كبيرة أبرزها سؤال «الصراع في المنطقة هو على ماذا؟». تحاول المسرحية في مكان ما أن تبسّط الأمر وفي الوقت نفسه الشيطان يسكن في التفاصيل». الجردي الذي تسلّم نص المسرحية منذ شهر ونيف، يؤكد اختلافه عن النص السابق للمسرحية الأصلية، إذ أُضيف الكثير من الأمور إليه.

بيار شماسيان: الكوميديا دائماً وأبداً
بيار شماسيان، المرح دائماً وذو الشخصية الطريفة بالفطرة، لم يدرس المسرح، لكنه مفطورٌ هكذا كما يقول عن نفسه. يحب دوره في «الشر الأوسط» لكنه يراه «مختلفاً» عن معتاده: «هذا النوع من المسرح «الجاد» جديدٌ علي، هو لا يشبهني كثيراً؛ وقلت لجو إني سأحاول. جمهوري يأتي ليضحك وهذا ما اعتاد أن يقدمه بيار شماسيان». ماذا إذاً عن علاقته بجو قديح؟ يشير بسرعة: «صحيح أن خبرتي طويلة في مجال المسرح، إلا أنّي أتعلم بعض الأشياء من جو. العمل معه مختلف، أنا عندي فرقة مسرحية؛ لكن نوع تماريني مختلف عن تمارين جو اليومية. أنا أعطي مجالاً للممثل كي يشتاق للتمرين. نتمرن تقريباً كل يومين؛ بالنسبة لي التمرين اليومي منهك ومثل «القصاص»» يشير ضاحكاً. من جهة أخرى، لا يعرف كثيرون بأن شماسيان إضافة إلى عمله في المسرح اللبناني/ العربي لديه فرقة أرمنية تقدم المسرح باللغة الأرمنية. كما أن لديه شخصية مشابهة لشخصيته «أم جورجيت» المعروفة محلياً، وتدعى «بطل»، وهذه الشخصية تتميز بأنها تتحدث الأرمنية بشكل «مكسّر».