إذا أردتَ أن تركبَ آلةً زمنية وأن تعودَ لتعيش في بيروت مرآة الأرواح آنذاك، عليك بزيارة مقاهيها القديمة، الدردشة مع روادها، تأمّل تفاصيل وجوههم وأيديهم وما حفرته السنون عليها.

جميع المقاهي الصامدة إلى يومنا متشابهة، الطاولات الخشبية تحفظ عُقَدَ أصابعهم، أصوات ضحكاتهم وصرخاتهم أثناء اللعب، الكراسي تحتضنهم كما كانت بيروت تفعل، وقد تشعر بأن الزيّ من زمنٍ فائت، كذلك طريقة الجلوس حول الطاولة مع أكواب الشاي أو القهوة والأركيلة العجمي حصراً.
رواد المقاهي القديمة في بيروت، يشبهون مقاهيهم، التجاعيد كثيرة، يقيمون داخل الغيوم التي يرسمونها، حفر الزمان تعباً على ملامحهم، لا يضجرون، ينفثون ذكرياتهم، قد تتوقف دقات قلوبهم على تلك الطاولات بشكل فجائي كما حدث مع أحدهم في مقهى صليبا.
وحيداً وسط الضجة يضع أبو سليم كرسي خيزران على الرصيف أمام مقهى «النصر» في منطقة البسطا التحتا في بيروت، في يده مسبحة، تنزلق سنين عمره من بين أصابعه، يغطي الأسى عينيه اللامعتين. في حديثه عن بيروت القديمة، عن تفاصيل هذه المدينة المتعِبة والمتعَبة، حبّ وحسرة.
يحبّ بيروت، بأمانها، بطيبها، بأهلها أيام فؤاد شهاب وشارل الحلو، أحاول تصويب الحديث عن المقهى، فيصرّ على التحدث عن الأيام، عن الطربوش الذي كان يضعه على رأسه أيام شبابه، عن الترامواي الذي كان يمر أمام المقهى، عن الأسواق القديمة، وكأن الروح نُفحت فيه مجدداً مستذكراً تلك الأيام.
في المقهى الذي مضى على ولادته حوالى ثمانين عاماً، يتوزّع الرواد، لا أثر للهواتف الذكية هنا، يدخّنون العجمي، ممنوع تدخين المعسل بجميع نكهاته كي لا تفسد رائحته الأراكيل الأخرى، القهوة لا زالت تُقدّم بالفناجين العربية القديمة، تمتزج رائحتها مع رائحة الأركيلة والشارع، وعلى أنغام عبد الوهاب يمارسون مختلف أنواع اللعب بالورق من«الليخة»، «الأربعمية»، «بندورة»، «التريكس»، «المشلّحة»... يلعب البعض الآخر طاولة الزهر والداما، ونادراً الشطرنج. وفي حال غاب أحد أعضاء الشلّة لا يتأخرون في السؤال عنه أو حتى زيارته في المنزل للاطمئنان عليه. يُكمل أبو سليم خافضاً صوته بأن للمقهى عليّة سرية، تدور فيها جلسات للعب القمار، قد تستمر لساعات الفجر الأولى.
يقول نقولا ضاحكاً عن رواد مقهى صليبا في شارع بربور: «بعدُن قاعدين نفس القعدة الله وكيلك، من لما انفتحت هالقهوة». يرتادها منذ 45 عاماً، فالمرور على المقهى طقسٌ يومي يجب تأديته، ما من أحدٍ يحنّ عليه ويواسيه سوى لعب الورق. ليس الرواد فقط من هم على حالهم، كل شيء على حاله، الكراسي والطاولات والشراشف، الأراكيل، الهرة التي تجلس على الرصيف، العابرون بأعينهم أمام المقهى، نقولا أيضاً..
رواد المقهى من مختلف المذاهب، يأتون من مناطق متعددة، برج حمود، طريق الجديدة، المصيطبة، سن الفيل، راس النبع... قد يصرخون ويتشاجرون من أجل لعبة ليس أكثر، يرجعون أطفالاً تشقّ التجاعيد طرقاتها على أجسادهم وقلوباً كالشيب النابت فوق رؤوسهم، نجد إلى جانب أحد اللاعبين لوحاً صغيراً وطبشورة ليسجّلَ عليه نتائج اللعب.
لم تقتصر المقاهي في بيروت على التسلية فقط، بل ارتبطت بالحياة السياسية للمدينة، فالمقهى كان بمثابة محطة يلتقي فيها الزعيم بأبناء منطقته، وقد يتحول إلى شبه مكتب انتخابي أيام الانتخابات. وهي تشكّل نوعاً من الانصهار بين أبناء المنطقة. كما كانت مركزاً لتجمّع القبضايات الأوادم أو ما يسمونهم «الطيّاح». ولا تختلف الأحاديث المتداولة بين الماضي والحاضر كثيراً، فهم يستحضرون كمعظم اللبنانيين الوضع السياسي، مقارنةً بالماضي قبل الحرب الأهلية، وما زالوا يعيشون داخل أسطوانات الموسيقى في الأربعينات والخمسينات حيث أن النقاشات تدور حولها.
الجدران تحرسهم، تحفظ ألوان عيون الرواد، غمزاتهم وابتساماتهم بعد الربح، عقدة حواجبهم بعد الخسارة، بصماتهم، يعلّقون عليها أزمنة مضت، ليست مجرد صور، صور تحكي ما كان، تعبر بنا إلى الكثير الكثير من الحكايات.
يبتسم عصام عندما يعود بذاكرته سنين خلَت، يقول بأن البعض كان يجد رزقه داخل المقاهي، كالحلاقين الجوالين الذين يترددون على المقاهي ولكل حلاق زبائنه المحددون. وماسحي الأحذية، حيث يجلس بعضهم على الرصيف بالقرب من المقهى بانتظار أن يناديه أحد الرواد، بالإضافة إلى بائعي اليانصيب والصحف، وبائعي مشروبات التمر الهندي والسوس، فالمقاهي بأغلبها لا تقدّم هذه المشروبات.
أما أبو عدنان، فيضع النظارة، لم يبقَ في فمه سوى سنّ واحد، يحاول أن يبتسم، يبدو هذا صعباً عليه، يعشق فريد الأطرش، ويكره عبد الوهاب، ينزعج كثيراً حينما تُدار أغنية للسيدة أم كلثوم. ترتجف يداه ويباشر الغناء «مش كفاية يا حبيبي مش كفاية، ابتسامتك أو سلامك مش كفاية»، تدمع عيناه، يبتسم حينها، جميلٌ هذا المشهد، تسقط من عينيه الزيتيتين دمعة في كفّ يده، تلك اليد التي أُصيبت خلال الحرب، تُسقى بالدموع. لا أحد يعلم ما الذي أبكى أبا عدنان، قصة حب ربما، أو بيروت؟ ذكرياته مع أغاني فريد؟ رائحة القهوة؟ أم أصابعه؟
يتمسك أبو وسام بالكرسي، ظهره ملتصق به، يخاف إن غادره المكان أن تغادره ذاكرته أيضاً، يخاف أن تموت جميع المقاهي في بيروت، أن تذهب الذكريات التي ما زالت عالقة بين جفونه. يشرد قليلاً ويستسلم للأمر، ذهبت تلك الأيام، أصوات الباعة في الشوارع الطويلة، الأيادي التي كانت تنادي الأيدي الأخرى بوردة، ضاعت في زحام بيروت اليوم والشاب الذي كان يلوّن خدّيه بأوراق الشجر، أصبح وحيداً.
يأكل البحر بيروت، الباطون يزحف باتجاهها، يتغيّر شكل المدينة بسرعةٍ كبيرة ومخيفة، المقاهي تموت الواحد تلو الآخر، أصحابها أضحوا صوراً على الجدران، وحدهم الروّاد صامدون من الزمن الجميل، ينتظرون ضحكة الربّ، يتمنون لو أن الزمن توقف، يتساءلون مع محمود درويش «وإن أعادوا لك المقاهي القديمة فمن يعيد لك الرفاق؟».