يمكن بكل سهولة، وصف عام 2018 في الإعلام اللبناني بالديناميكي بامتياز. حركة رست في اتجاهات مختلفة، حرّكت ركوداً كان مستحكماً، ولا سيما في ظلّ الأزمة الاقتصادية.

في زمن الأزمة الكبرى والمصيرية للورق، وإقفال مؤسسات عريقة، كدار «الصياد» (في تشرين الأول/ أكتوبر)، أو وقوع صحف أخرى، في فخ الإثارة، لاستجلاب الأنظار، كصحيفة «النهار» التي لجأت الى حركة استعراضية في الشهر نفسه، عبر إصدار عدد ورقي يكسوه اللون الأبيض، احتجاجاً على أزمة تأليف الحكومة... سارت القنوات في طريق مختلف تماماً.

محمد نهاد علم الدين ـ لبنان

إذ أنعشتها الانتخابات النيابية التي جرت في أيار (مايو) الماضي، كما لم يخلُ هذا العام، من حفلات انتقال من محطة الى أخرى، أشهرها انتقال مارسيل غانم، في آذار (مارس) الماضي، من قناة lbci، الى mtv، بعد 27 عاماً قضاها في برنامجه «كلام الناس». كما انتقلت داليا أحمد من «الجديد»، الى otv، بخلاف داليا كريم التي اتخذت مساراً عكسياً من القناة البرتقالية الى «الجديد». ولعلّ ذروة هذه الديناميكية، حطت في تشرين الأول (أكتوبر) أيضاً، عندما طرحت القنوات المحلية برمجتها الخريفية، وحشدت لها ترويجاً مشابهاً لما يحصل إبان الموسم الرمضاني.
في بداية العام، وتحديداً في شباط (فبراير)، كشفت «المنار» للمرة الأولى عن تفاصيل عملية الاستشهادي أحمد قصير (1982)، عبر وثائقي ضخم حمل عنوان «لهيب الصنوبر». أعادنا العمل الى تلك اللحظة التاريخية العظيمة من عمليات المقاومة، وتضمّن مفاجأة في نهايته، عندما شاهدنا صورة القائد الجهادي عماد مغنية، راسية على شاطئ «تل أبيب». بعد ذلك، أتحفنا المنتج والصحافي فراس حاطوم بثلاثية «حكاية طويلة»، بطلها المطلوب فضل شاكر. ثلاثية لمّعت صورة شاكر، وحاولت تبرئته، وتنقية صورته بعد غياب طويل له عن الإعلام. نيسان (أبريل) كان شهر الذروة عند القنوات. شهر التحشيد وطرح البرامج المتماشية مع الاستحقاق الانتخابي. سلة برامجية منوعة توزعت على الشاشات، بين «سيد نفسه» على «الجديد»، و«دق الجرس» على mtv، و«تحصيل حاصل» و«لوين واصلين؟» على lbci. برامج حاولت كسر النمط المعتاد للبرامج السياسية، من خلال اختراع أنماط جديدة، منها ما هو مستنسخ، ومنها ما هو منتج صاف. مع ذلك، بقيت هذه البرامج أسيرة لعبة الاستقطاب، والتسويق والترويج الانتخابي، الى جانب باقي «عدة» التطبيل من نقل مباشر لمؤتمرات صحافية ومهرجانات انتخابية مدفوعة.
انتقال الإعلامي مارسيل غانم، من lbci، الى mtv، كان علامة فارقة في الإعلام السياسي هذا العام. انتقال مهّدت له قناة المرّ، عبر استضافة غانم في برنامج «دق الجرس» (نيسان/ أبريل)، ليسجل أول ظهور له على الشاشة. بعدها، عمدت القناة الى تحشيد إعلامي وافتراضي، لبرنامجه «صار الوقت»، عبر إطلاق مؤتمر صحافي، أعلن من خلاله الانطلاقة الجديدة. حضر غانم في ساحة mtv، مع دفع تسويقي غير مسبوق، أصاب بسهامه المحطة التي قضى فيها أكثر من ربع قرن. إذ حاولت lbci التعويض بطرق مختلفة، آخرها نقل برنامج «لهون وبس» الى نهار الخميس، تزامناً مع «صار الوقت». طبعاً، أظهرت هذه المعادلة فشلها مع الوقت كون طبيعة البرنامجين لا تحتمل المنافسة ولا اقتسام الجمهور. خرج «صار الوقت»، وطرح تغييراً أكثره في الشكل لنمط البرامج السياسية. استديو ضخم، ميزانية عالية، جمهور غفير ومدرّب يحوطه، تجديد في الجنيريك، وحركة الكاميرا، وحتى في استجلاب ضيوف من الصف الأول (سعد الحريري، وليد جنبلاط...). تبعه إطلاق برنامج «وهلق شو؟» على «الجديد»، في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر). برنامج جورج صليبي، حاول من خلاله الإيحاء بأن محطته كسرت تقاليد البرامج السياسية، من خلال خلع الكرافات، وساعة اليد، وإستجلاب عنصر الجمهور الى الاستديو، وضيوف ثابتين. في موازاة ذلك، طرحت otv، برنامجها «ضروري نحكي» مع داليا داغر، الذي بدا شبيهاً بالتجارب المذكورة آنفاً، لكن بشكل مصغر. وهدف البرنامج ــــ كما أعلن في الحلقة الأولى ــــ الرد على «الماكينة التي تعمل لإفشال العهد». تغيّر في الشكل ولعبة البصريات والإبهار، لكن بقي التكريس لأهل السياسة والخنادق، على حساب المواطن ولقمة عيشه!
تغيير في شكل البرامج السياسية... وجدل حول احتكار البثّ التلفزيوني


في غضون تلك الفترة، طفا الى السطح الخلاف، بل حرب «الردح»، بين mtv، وlbci. اشتعلت الشرارة الأولى مع انتقال غانم الى قناة mtv، واستحواذ الأخيرة على نقل حفل «ملكة جمال لبنان»، ساحبةً هذا التقليد من «المؤسسة اللبنانية للإرسال». حفلة اتسمت بالمبالغة في الترويج، وإبراز للإمكانات الإنتاجية الضخمة، و«استخدام» هشام حداد في هذه اللعبة.
برمجة الخريف، التي بدأت تباشيرها في تشرين الأول (أكتوبر)، حشد لها، بشكل غير مسبوق، حتى إن «الجديد» وقتها، أقامت حفلة ضخمة في «كازينو لبنان» للإعلان عن برمجتها. وجوه وافدة وأخرى خرجت ببرامج جديدة. برمجة تعاطت معها على غرار ما تفعله في الموسم الرمضاني، من حشد ترويجي، وإخفاء للتوقيت انتظاراً للحظة الأخيرة. برامج استخدمت فيها الإثارة الجنسية والفضائح («أنا هيك»/ الجديد، «لوكا بيتش»/ otv)، وإطلاق مغامرة غير محسوبة كبرنامج «بكل طائفية» على lbci، الذي فشل في مقاربة قضايا حساسة، معيداً تكريس كليشيهات طائفية. بقي «كلنا للوطن» على «الجديد»، البرنامج الوحيد واليتيم، الذي برز في هذه البرمجة، عبر إظهار هدف نبيل، ألا وهو تقريب المسافات بين اللبنانيين، وتحطيم الأحكام المسبقة بعضهم عن بعض، بطريقة ممزوجة بالترفيه والمعلومة.
هذا العام أيضاً، شهد تغييراً واضحاً في خطاب mtv. موسم قد لا يعبر عن انقلاب في السياسة التحريرية لقناة دأبت على معاداة المقاومة، وبث خطاب الهوموفوبيا، والكراهية تجاه النازحين.
إشارات عدة، أرسلتها المحطة في اتجاهات مختلفة، لعل أكثرها حضر في «بيت الكل»، مع عادل كرم، أكان من خلال اسكتشات أم حوارات متفرقة. مضامين تقترب ولو بطريقة ساخرة إيجابية، من الآخر، ومن شرائح اجتماعية، غابت طويلاً عن الشاشة. هكذا، شاهدنا في «منا وجر» كيف رافق بيار رباط، سلام زعتري الى الأسواق الشعبية والمعدمة في «الطريق الجديدة»، و«صبرا». وكان أكثرها صدمة للمتابعين، مواكبة المحطة لعملية «درع الشمال» الصهيونية (في بدايتها) التي تعاطت معها، بكل مهنية ووطنية، واضعةً مصطلحات تخص المقاومة، ومجابهة العدو الإسرائيلي، قد تكون مستخدمة للمرة الأولى على شاشتها. وأبى أن ينتهي العام إلا على خلاف وانقسام بين القنوات. ظاهرة الاحتكار طالعت اللبنانيين/ات، أخيراً، من قبل شركتين تجاريتين تنويان توزيع البث التلفزيوني، بالاتفاق مع أصحاب الكابلات. اتفاق سقط بحكم استفراد كل من «الجديد»، وlbci، بقرار إنشاء شركة رديفة تكون وسيطاً بين هاتين الشركتين والقنوات التلفزيونية. أمر خشيته باقي المحطات (nbn، المنار)، ليصار في نهاية المطاف الى فرط عقد المشروع، والعودة الى الخانة الصفر، في البحث عن مصادر تمويل للمؤسسات المرئية.
يبقى مصير الصحافي والمصور سمير كساب، المختفي منذ عام 2013 في سوريا. قضية إنسانية بامتياز، لم تعرها القنوات أهمية، ولا السلطة الرسمية، باستثناء قناة lbci، التي دأبت من خلال مراسلها إدمون ساسين على تعقب الأمكنة التي كان كساب معتقلاً داخلها، علّه يجد خيطاً يوصله الى مكانه الحالي!



«كلنا للوطن»: عكس التيّار


من بين البرامج التي أتحفتنا بها الشاشات في الخريف، برز «كلنا للوطن» (إخراج سامر دادانيان) على «الجديد». البرنامج الذي يقدمه كارلوس عازار (الصورة)، عرف كيف يتميز في زمن الإعلام الرديء. «كلنا للوطن» الذي جمع بين الترفيه وتقديم المعلومة، يقوم على كسر الكليشيهات والأحكام المسبقة الراسخة في عقول اللبنانيين منذ زمن الحرب الأهلية. مجموعة حلقات، تعاقبت فيها وجوه معروفة من ميادين مختلفة، لتتبارى في ما بينها، وتقتنص معلومات عن البلدة التي يأتي منها الفريق الخصم. رحلة ممتعة أخذنا إليها «كلنا للوطن»، رغم الإمكانات الإنتاجية المتواضعة. برنامج أعاد دور الإعلام ومسؤوليته في فكرة التثقيف والمرح في آن، وكسر مقولة «الجمهور عايز كده»، وبث روح وطنية جامعة، من دون وعظ مباشر. برنامج سار عكس التيار، وحجز مكانة له في برمجة الخريف، وتألق فيه الممثل كارلوس عازار، وعرف كيف يدير، ويشارك أيضاً في صناعة مضمونه.

علي شعيب: جلسة سمر على الحدود


تزامناً مع حملة «درع الشمال» الصهيونية، التي أطلقها العدو أخيراً على الحدود الفلسطينية ــــ اللبنانية، بحثاً عن أنفاق مزعومة للمقاومة، برز الصحافي والمراسل الحربي علي شعيب (المنار). ربما لا يحتاج شعيب الى حدث كي يبرز، بل استطاع هذه المرة، بفضل السوشال ميديا، أن يكون هو الحدث بعينه، عبر تحويل صفحاته على هذه المنصات الى بث حي من الحدود.
تخطى علي شعيب صفة المراسل، ليتعداها الى فرض نفسه صحافياً يؤرق جيش الاحتلال، ويكون محط كلام وتعليق على ألسنة العديد من قياداته. في حملة العدو الأخيرة، كان شعيب يترصد لحظة بلحظة تحركات العدو، وينشر صوراً وفيديوات تفضح ضعفه وجبنه في كثير من المحطات. اسم علي شعيب، الذي لطالما ترافق مع الشجاعة ورباطة الجأش، استطاع مع حفنة من المواطنين تحويل تهويل العدو الى حفلات ساخرة، بل عمدوا في إحدى المرات الى تنظيم جلسة سمر على الحدود، كنوع من الرد على التهديدات. صور وفيديوات أسهمت في التصدي للحرب النفسية التي شنّها العدو، ورفعت، في المقابل، المعنويات لدى كل من شهدها وهزئ بعدها بضعف الإسرائيلي.

استدعاءات بالجملة


كان 2018 عاماً مليئاً بحفلات الاستدعاءات بحق الصحافيين والناشطين، الى حدّ تحرك منظمات وجمعيات دولية، لدق ناقوس الخطر، حول الحريات في لبنان. شهرا حزيران (يونيو) وتموز (يوليو)، كانا الأكثر انتهاكاً لحقوق الصحافيين والناشطين. فقد سجل ما يقارب الـ 45 استدعاء، أبرزها ما حصل مع الشاب شربل خوري، الذي نشر في تموز (يوليو) الماضي منشوراً فايسبوكياً ساخراً عن مار شربل.
منشور تفاعلت معه الزميلة جوي سليم، بتعليق صغير، لكن سرعان ما تحوّلا الى هدف باقي الناشطين الموتورين الذين لم يبخلوا بكمّ الإساءات والإهانات. منشور استدعيت على أساسه سليم الى «مكتب الجرائم المعلوماتية» وخضعت للتحقيق لما يقارب الـ 4 ساعات، كذلك حصل مع خوري، الذي أصدرت المدعية العامة وقتها غادة عون قراراً بمنعه من استخدام الفايسبوك لمدة شهر، استجابة لطلب «المركز الكاثوليكي للإعلام». تبع ذلك سلسلة استدعاءات للناشطين: إيلي خوري (سحب الاستدعاء على الفور)، عماد بزي (على خلفية منشور يتعلق بمنتجع «إيدن باي»)، رشيد جنبلاط، طوني طوق، هنادي جرجس، وديع الأسمر... الى جانب صحافيين؛ من بينهم: فداء عيتاني، رضوان مرتضى، محمد زبيب (الصورة)، مارسيل غانم، هشام حداد.. في الأشهر الأخيرة من السنة، سادت «هدنة» لهذه الاستدعاءات التي تحكمها العشوائية، وتخرج في الأصل عن القانون، كون المكتب المستدعي مؤسسة غير شرعية، وصلاحياته لا تتعلق باستجلاب الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي.

السيد في حوار مع «الشباب»


هي المرة الأولى، التي يفتح فيها الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، ذراعيه للشباب، وتحديداً لمن لم تتعدّ أعمارهم العشرين. في أيلول (سبتمبر)، وتزامناً مع الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد نجله هادي، جلس السيد نصر الله أمام شابين لمحاورته. شابان ينتميان إلى مجموعة «روح الأمين»، التي أنشئت عام 2017، لإحياء ذكرى استشهاد شاب وجد فيه هؤلاء أنموذجاً لهم. وقتها بثت المقابلة على مواقع التواصل الاجتماعي كمقاطع متفرقة، وبشكل كامل. بعدها عرضت على شاشة «المنار». علي ياسين، وإبراهيم ترمس، شابان وقفا وجهاً لوجه أمام «السيّد»، وحاوراه بكل سلاسة، فكان لقاء مفعماً بالعاطفة والتأثر أيضاً. في محطات عدة، كشف «سيد المقاومة»، تفاصيل تروى للمرة الأولى على الهواء، تخص عائلته ونجله الشهيد. وتزامناً مع هذا اللقاء النادر، كشف عن مرثية دوّنتها عقيلة السيد نصر الله، السيدة فاطمة ياسين، لدى استشهاد نجلها. مرثية اختارت الأخيرة الإعلامية بتول نعيم، لتؤدّيها، بصوت عذب وشجن، يعكس ما كانت تشعر به وقتها الأم التي فقدت ابنها.

إقفال الصحف


في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، هزّ قرار إقفال «دار الصياد»، الأوساط الإعلامية والشعبية. إقفال مفاجئ بعد أكثر من خمسين عاماً (تأسست عام 1945) إثر قرار كان بمثابة خضة جديدة، تنضم الى باقي إقفال المؤسسات الإعلامية الورقية. إذ يمكن وصف هذا العام بأنه الأقسى عليها، والأشد إيلاماً. بعد إقفال «السفير»، قبل عامين، وسلسلة الأزمات الاقتصادية التي طاولت مؤسسات أخرى، وموظفيها، بين تسريح وتملص من دفع المستحقات، أتى دور صحيفة «البلد»، التي أغلقت أبوابها، في تموز (يوليو) الماضي، بعد أزمات مالية عصفت بها. صحيفة «المستقبل» أيضاً، تتهيّأ لإقفال نسختها الورقية، وتطوير موقعها الإلكتروني. صحيفة «الحياة» كذلك، وتحديداً «مكتب بيروت» الذي شهد إقفالاً في حزيران (يونيو)، وصرف أكثر من ثمانين موظفاً/ة، مع إبقاء عشرين يسهمون في «الطبعة الدولية»، الى حين إعلانهم الإضراب، وتضامن زملائهم معهم في دبي، لتتوقف الطبعة عن الصدور، مع بقاء «النسخة السعودية». مجلة «سنوب» الشهيرة، لم تسلم أيضاً من المصير الأسود، إذ أعلنت عن قرار الإقفال، في الصيف الماضي، بعد 26 عاماً من الحضور على ساحتَي الموضة والجمال. سلسلة إقفالات بالجملة، أنهت عصوراً جميلة من زمن الصحافة اللبنانية، فيما تترنح البقية أمام مصائر مفتوحة، في ظل غياب الدور الرسمي، وتقاعسه عن القيام بخطوات عملية، قد تنقذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى على الساحة الإعلامية الورقية.