جاء في «سفر الخروج» (32:35): «وبطش الرب (يهوه) بالشعب (في الأصل أرسل عليهم أوبئة – ز.م) لأنهم عبدوا العجل الذي صنعه هارون». لسنا معنيّين هنا بالتدقيق في دقة ترجمة الجملة أو الآية، لأن ما يهمنا حقيقة أنها تورد قيام إله التوراة بإرسال الأوبئة إلى الشعب. المعضلة هنا تكمن في مسألة الإيمان بهذا التجلي للإله، لكونه منتقماً من البشر لا يفرق بين البالغين والأطفال الأبرياء. أمر دفع الدكتور ريو إلى التصريح بأنه غير قادر على قبول إله منتقم يقف متفرجاً على معاناة الأطفال وموتهم بعد عذاب. لكن مع أنّ دكتور ريو صرّح بعدم قبوله إله التوراة الذي يبطش بالبشر كباراً وأطفالاً، فإنه في الوقت نفسه قال: «أنا أقف في الظلام باحثاً عن النور». ويضيف: «ربما من الأفضل له ألّا نؤمن به وأن نكافح الموت من دون النظر إلى الجنان وإلى صمته تجاه تلك المعاناة».

الميمونيون والفلاسفة

هذا جزء من حوار دار بين دكتور ريو والأب بانلو في رواية ألبير كامو «الطاعون»، كما يرد في كتاب «الربّ… سيرة جديدة» للباحث فيليب سي. ألموند (God, a new biography. i.b. tauris 2018 ـــ مزوّد بصور ولوحات تشكيلية). المسألة من منظور دكتور ريو الملحد هي أيضاً: أيّ صنف هذا الإله الذي يسمح بهذا العذاب على العالم، من دون أن يكترث به؟ لكن جدال هذه المسألة بين الطرفين ليست فقط وجود الرب/ الإله/ الله، من عدمه وإلى أي صنف ينتمي، لأنه ليس صحيحاً حصر المسألة في أحجية فلسفية ولغز ثقافي. الموضوع هو كيفية نظرتنا إلى العالم ومشاعرنا تجاه هذا «الرب». فمسألة الرب، ووجوده من عدمه، وصنفه، عناصر تشكّل فهمنا وتشغل أحاسيسنا وتقود إراداتنا.
بناءً على ما سبق، إن مسألة وجود الرب من عدمه مرتبطة بوضوح فهمنا للكون وطبيعة وجود الإنسان ومعنى حياتنا. إنها مسألة المعنى الأبدي تحتلّ أقصى اهتماماتنا. لذلك، إن مسألة تاريخ تجلّي الرب هي في الوقت نفسه كيفية بنائنا معنى الحياة.
فيليب سي. ألموند، أستاذ الدين ونائب مدير «معهد الدراسات الإنسانية المتقدمة» في «جامعة كوينزلاند»، وصاحب العديد من المؤلفات، من بينها «الشيطان: سيرة جديدة» (الأخبار 27/3/2015)، يوضح أن مسألة وجود الرب من عدمه حديثة. ذلك أن المجتمعات القديمة أيقنت بوجوده، لكن طبيعته كانت أبعد من إدراكها أو استيعابها. فالرب من منظورها، كان عظيماً إلى درجة تفوق مقدرتنا على التصور. هذا الرب غير القابل للاستيعاب أو للفهم، تجاوز محاولات التعبير عنه كافة. حتى إن اللغة بمفرداتها عجزت عن التعبير عنه.


انطلاقاً من عدم المقدرة على فهمه، فإن «قصة الرب» بحسب الكتاب، كلها قصص اشتباكات وتسويات، ومتناقضات جرى حلها وأخرى لم تُحل. فطبيعة الرب أو الإله كانت قائمة دوماً فوق أفق بحر الإيمان، لكن من دون يقين. وهذا بدوره كان أحد أسباب تناقض طبيعة الرب. فكيف يمكن العثور فيه على التوازن بين الحب والرحمة واللطف من جهة، والغضب والقصاص والعدل من جهة أخرى؟ في الوقت نفسه، كان ذلك أحد أسباب القلق من الرابطة بين سماته العامة والخاصة. لنأخذ مثالاً من الكتاب: يطرح المؤلِّف سؤالاً عن كيفية «مراصفة الإله غير القابل للمعاناة، مع الإيمان المسيحي بأنه عانى على الصليب؟ كيف يمكن مراصفة الإله غير المتغير، بالإله الذي يغير رأيه على نحو دوري؟ وهنا تأتي مسألة علاقة الإله/ الرب/ الله بالعالم. فكيف يمكن مراصفة الإله الغيبي الذي خلق العالم من العدم، والرب الذي خلق العالم من ذاته؟ وكيف يمكن الرب الأزلي والأبدي أن يتجلى في بشر هو يسوع المسيح الذي قضى على الصليب؟ وهل بإمكان الرب التدخل في العالم كلما شاء ذلك؟». هذه الإشكاليات والتسويات، كانت إلى درجة ما نتاج وجود الرب. فالرب كان إله «الكتاب» وإله الفلاسفة. والرب كان إله الأنبياء وإله المتصوفين. والرب كان إله التجلي وإله العقل. والرب كان إله المعرفة وإله الإيمان. والرب كان إله الموحِّدين الغيبي، ووحدة الموجود أو الحلولية، وأشهرهم في الإسلام ابن عربي، والواحدية ومنهم ابن سينا والفارابي وابن سبعين وجُردانو برونو.

رؤيا حزقيال (حزقيال 1.26-8)

والرب كان إله التوراة والأناجيل والقرآن. والإخلاص له وجد في القدس «أورشليم» وفي مكة وفي أثينا. انطلاقاً من ذلك، فإن «قصة الرب» هي قصة محاولات توحيد هذه «الآلهة» والدفاع عن وحدتهم الجوهرية، أو الحماسة لتمييز بعضهم من بعض!
الآن وقد أوضحنا بعض أسس الفكرة، كما ترد في كتاب «الربّ… سيرة جديدة»، من المفيد لفت انتباه القارئ إلى أن الكاتب يبحث في عرضه الخالي من أي انحياز إلى أي فكرة، قصة الرب/ الإله/ الله بدءاً من القرن السادس قبل التأريخ السائد/
ق ت س (يستعمل الكاتب التأريخ المسيحي: قبل ميلاد المسيح/ ق م وميلاد المسيح/ م - ز م). يرى الكاتب أن القرن السادس ق ت س شهد تحول إله أمة واحدة محددة (المقصود هنا بني إسرئيل - ز م) إلى إله الأمم كافة (هنا أود تذكير القارئ بأن الصفة التوراتية «شعب يهوه المختار» تشير إلى أن بني إسرائيل هم «الأمة» الوحيدة التي قبلت التعبد ليهوه، والتأويل يقول إن إله التوراة اختار بني إسرائيل دون بقية الأمم للتعبد له، لكن التلمود يقول إن يهوه عرض التوراة على شعوب أو أمم أخرى، لكنها رفضت عرضه! - ز م).
لا شك في أنّ أن قصة الرب/ الإله/ الله من القرن السادس ق ت س إلى يومنا هذا مسألة معقدة للغاية. لذا، اختار الكاتب محطات رئيسة في «القصة» والتركيز على «اللاعبين» الرئيسيين فيها. يقول الكاتب إن «اللاعبين» الأساسيين هم، في العادة، من بسط طبيعة القُدُّوس، وهم من حلله، ونظر في طبيعته وفصَّل نشاطاته. وهم، في الوقت نفسه، من كرس التضاربات والتعارضات، وهم أيضاً من درس المساومات، وهم من قبل الإشكالات والمفارقات وهم من رفضها، وهم أيضاً من سوّغ تصرفات الخالق، أو استهجنها، بل حتى طعن في وجوده وفي حسنه.

الثالوث المقدس

الآن وقد عرضنا على نحو مختصر محطات في الكتاب، نسرد محتواه التفصيلي الذي يضم كل النقاط التي سردها الكاتب، بهدف تعريف القارئ بتفاصيل مهمة، لكن من دون الكشف عن محتوى كل منها، وأيضاً لتحفيزه على قراءة المؤلف كاملاً:
* الإله الغيبي: قدسية الإله؛ خلق الآلهة وإله الخلق؛ على صورة الإله؛ الإله المُهلِك؛ الإله المشرِّع؛ الدينونة المقدسة والكمد النبوي؛ إله يسوع؛ الله والنبي محمد.
* الإله-الإنسان: التوحيد؛ الجليل؛ أحجيات التثليث؛ أزمات الكرستولوجيا؛ - تنقية الروح؛ عن الإله والإنسان.
* الإله في داخلنا: الملكوت الأرضي الآخر؛ الإله الذي يبعَث؛ الحب في مناخ بارد؛ الاستحالة إلى إله؛ الصوفية؛ القبَّالة.
* إله التعقل والتجلي: دليل الحائرين: الميمونيون وابن رشد وتوما الإكويني؛ من العالم إلى الرب؛ من رب إلى رب؛ الشخص المقدس؛ الرب والشر؛ الأفضل من بين العوالم كافة.
* إله الغضب والرحمة والعدل: أثينا في تدهور؛ ملعونون أنتم إن فعلتم وإن...؛ قاضٍ على نحو خاص جداً؛ الرب المُتَمِّم؛ الرب منقذ الجميع.
* الرب المبتدع/ المخطط/ المدبر/المصمم: التعقل، مرة أخرى؛ إله كل شيء؛ إله فطري؛ التجلي مجنَساً؛ الرب والعناية الإلهية وتوقف المعجزات؛ هل عمل الرب معجزات؟؛ الرب والعناية الإلهية والرقابة والنشوء.
* الرب المعروف والمجهول: الغنوطيسية/ اللاأدرية؛ عودة المحايثة؛ الرب والعالم المنقلب عقِباً؛ هواجس ريتشارد داوكينز؛ موت الرب؛ فصل الإله من الطبيعة؛ الآلهة التي تطبعت.
يبحث الكاتب في كل ما سبق بإسهاب، معطياً كل جانب حقه من البحث، وينهي بحثه الممتع والمهم والمعمق، لكن بأسلوب مختصر مفيد، بالكلمات الآتية:
«إلى ذلك، ينطوي اللغزُ المتمثِّل في وجود شيء ما، بدَلَ عدم وجود أي شيء على الإطلاق، على لغز كل الحيوات الفردية، وليس فقط على لغز الحياة عموماً. فالمغزى المطلق يحمل في طياته معنىً وجودياً، عاماً وخاصاً على السواء. يعبّر باسكال عن هذه الفكرة بأسلوب بليغ عندما يقول:
عندما أفكر في فسحة العمر القصيرة المتاحة لي في الحياة، والغارقة في أبدية الزمن الذي انقضى قبلها وسوف يستمر بعدها، وعندما أفكر في الحيّز الدقيق الذي أشغلُه؛ بل بالحيّز الذي أراه، المغمور بالاتساع اللانهائي للفضاءات التي لا أعرفها ولا تعرفني، أشعر بالروع والدهشة لأني هنا ولست هناك (...) ولماذا الآن وليس آنذاك. مَن وضعَني هنا؟ بأمرِ مَن وتدبيرِ مَن خُصِّص لي هذا المكان وهذا الزمن؟ الصمت الأبدي لتلك الفضاءات اللانهائية يُشعِرني بالرعب».

«ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً» سفر التكوين 1: 31

يشير باسكال هنا إلى الشعور العميق باللاأدرية الذي يُعد نزعة مميِّزة للعصر الحديث، وليس لعصره. فباسكال ـــ كما نعرف ـــ تبنى موقفاً ذرائعياً/ نفعياً وراهن على الله. لكن، منذ عصر هيوم وكانط، اتفق المؤمنون وغير المؤمنين، على السواء، على أننا لا نستطيع أن نعرف من طريق الفكر إن كان الله موجوداً أو لا، أو نعرف إن كان ينبغي تصوُّره كائناً متعالياً عن الإدراك أو مقتصراً على الوعي الذاتي، متجاوزاً للعالم ومتطابقاً معه في آن واحد، شخصياً أو موضوعياً، مصدراً للوجود وللقيمة. الإيمان موجود بسبب غياب المعرفة. القدس «أورشاليم» وأثينا مضت كل منهما في درب منفصل. وعند مستوى أعمق، يتجاوز الإيمان بالله والإلحاد، لا نستطيع أن نعرف إن كان العالم ينطوي على أي مغزى أعمق يمكن، أو لا يمكن، أن يضم، إلهاً ما، «إله» المتصوِّفة الذي يتجاوز الله، الله المجهول الذي لا تمكن معرفته والمتجاوز للوجود وللاوجود، على السواء، لا يمكن إدراكه و«لا يمكن الحديث عنه» كما يقول فتغنشتاين. فالعالَم لا يشير إلى وجود مغزى وغاية مطلقَيْن، سواء فيه أو في ما يتجاوزه. والعالَم لا يكشف لنا مغزاه وغايته المطلقَيْن بوضوح، ولا يصرِّح علناً بعدم وجودهما.
وهكذا نلاحظ أن الحداثة تنطوي على وجود بون معرفي بين العالم ومغزاه، وهو ما يجعل هكسلي على حق في قوله: نحن جميعاً لا أدريين ــ المؤمنون وغير المؤمنين على السواء ــ إذ لم يستطع أحد منا حلَّ مسألة الوجود. لكن هذا الالتباس المعرفي، تحديداً، هو ما يسمح باختبار العالم بأسلوب ديني أو أسلوب لا ديني، بوصفه حديقة أو قفراً موحشاً، بوصفه ينطوي على غاية ما أو خالياً من أي غاية، خيِّراً أو شريراً، روحاً أو مادة، مسرحاً للحب الإلهي أو لِلامبالاة كونية على أوسع نطاق، وبوصفه أفضل العوالم الممكنة أو أسوأها على الإطلاق. هذا هو اللايقين المعرفي الذي يتيح إمكانية الإيمان أو عدم الإيمان، إمكانية الأمل أو القنوط، حيث يبدو أحد الخيارين منطقياً ومسوغاً شأن الخيار الآخر، أو يبدو أيضاً غير منطقي وغير مسوغ شأن الخيار الآخر، في الحالات التي يجري فيها تفادي المنطق.
يمكن القول إن الإمكانية التي تتيح لنا التساؤل عن المغزى المطلق، تُعدُّ أعظم إنجازاتنا على الإطلاق، فهي التي تفصلنا عن باقي الأنواع الأخرى. لكن، هل يمكن اعتبار مداركنا المعرفية التي تسمح لنا بطرح هذا السؤال، بحد ذاتها، إشارةً إلى وجود مغزى أعمق؟ وهنا تبرز ثانية فكرة «على صورة الله» أم أنها مجرد مصادفة تطورية؟ لا نستطيع معرفة الجواب. فهذا السؤال، وعلى غرار السؤال المتعلق بالمغزى المطلق على وجه العموم، لا يمكن الإجابة عنه.

إبراهيم مضحيّاً بابنه إسحق (سفر التكوين 22)

وسنتأرجح إلى الأبد بين قدرتنا على التساؤل عن هذا اللغز والبحث عن مغزى كل شيء، من جهة، وعجزنا عن التوصّل إلى إجابة، من جهة أخرى. هذه هي مأساتنا الكبرى. حكاية الله هي حكاية البحث عن المغزى المطلق.
مهما كان معنى ذلك، فهو يعني، على الأقل، ما يأتي: لا يمكن إدراك المغزى المطلق انطلاقاً من سطحية الأشياء. على هذا الأساس فقط، يصبح التماس المغزى ممكناً. فالأمر هنا يتعلق باللايقين وبالجهل بالأمور. هل يصبح عمق الذات وحقيقة الأشياء أكثر يقينية وأكثر وضوحاً كلما ازداد سعينا لإدراكها؟ لا، على الأرجح. والواقع أن العكس قد يكون صحيحاً. فكلما سعينا أكثر، تراجع يقيننا بأننا سنصل إلى الغاية المرجوّة.
يقول هكسلي: نحن جميعاً، مؤمنين وغير مؤمنين، لا أدريين، إذ لم يستطع أحد منا حلَّ مسألة الوجود


أنا حالياً أقل يقيناً بكثير، في ما يتصل بالمغزى المطلق، مما كنت عليه عندما باشرت السعي في هذا الاتجاه قبل خمسين عاماً، عندما كنت طالباً في السابعة عشرة أدرس اللاهوت وأحمل أفكاراً مثالية. آنذاك، كنت أمتلك اليقين. لأن البحث عن المغزى، في ذلك الوقت، كان يجري من خلال اليقين المتمثّل بالإيمان بالله. في أثناء دراستي للاهوت، كان أساتذتنا يشجعوننا على التفكير النقدي في ما يتصل بإيماننا. مارستُ هذا التفكير النقدي بما يكفي للوصول إلى التخلي عن إيماني. بعد ذلك، غدا السعي لمعرفة المغزى يجري من خلال فقدان الإيمان وفي غياب الله. في نهاية المطاف، تبخّر هذا اليقين أيضاً. ومنذ ذلك الوقت، عشت حياتي من خلال اللايقين، متجاوزًا يقينيات الإيمان أو عدم الإيمان، مخلِّفًا ورائي الاعتقاد بوجود الله والإلحاد، على السواء.
حكاية الله هي حكاية السعي لمعرفة المغزى المطلق، الذي سيظل مراوغاً إلى الأبد. مع ذلك جرى التوصل إلى معارف ما، تمثِّل جزءاً من معنى كلمة «المعرفة». غدا اللايقين مستنداً إلى التساؤل عن وجود شيء ما، بَدَلَ عدم وجود أي شيء. وترسَّخ الجهلُ في إحساس بالرهبة إزاء الأسلوب الذي يسير العالم بموجبه. ثمة وعي بالغموض الذي يلفّ كل شيء، وخاصة بوجود الذوات التي تفكر في كل هذا الغموض. وغالباً ما يرافق ذلك حدْسٌ بوجود حتمية تحكم العَرَضي والاتفاقي، نوع من تدخُّل العناية الإلهية التصادفي، أو الجبرية العَرَضية. وفي الحالتين، يشعر المؤمنون بأن كل ما يجري إنما يجري بمشيئة الله، ويشعر غير المؤمنين بنوع من الرضى الرواقي Stoic الرصين عن الطريقة التي تجري بها الأمور، والطريقة التي كانت تجري بها».