في مجموعته الشعرية الثانية «غريب .. لا شيء عنكِ في ويكيليكس» (دار مسعى/ البحرين)، وهي الثانية له بعد «ماء البارحة» (2009)، يوزع الشاعر السوري مروان علي نصوصه على ثلاثة عناوين تبدو متباعدة للوهلة الأولى، ولكن اللغة اليومية التي كُتبت بها هذه النصوص لا تكفّ عن إرسال انطباعات متقاربة ومتماثلة إلى القارئ. هناك نوع من الأسى الشفيف يعبر الكلمات والجمل، ويصنع جزءاً جوهرياً من شعريتها التي تبدو سلسة وبسيطة وبلا ادعاءات بلاغية. البساطة نفسها هي صفة أساسية في اللغة أو لنقل في الكلام العادي والمتداول المنجز على شكل رسائل صغيرة وحميمة في قصائد الحب، أو نثريات مستخلصة من المشهد السوري المتفجر، أو استعادات من طفولة كردية قاسية في أقصى شمال شرق سوريا ذاتها. كأن «البارحة» التي حضرت في باكورة الشاعر تأخذ راحتها وتصبح ماضياً كاملاً وحياةً سابقة تتحول إلى مساحات مهددة بدمار يشبه الدمار الذي تنقله لنا مشاهد الدم السوري، بينما «ماء» ذلك الماضي يطارد الشاعر المقيم في ألمانيا، ويتحول إلى «نهر ينبع ويجري من أحشائه»، بحسب التقديم الذي كتبه الشاعر منذر مصري للمجموعة.


هكذا، تنشأ روحية افتراضية تجمع نصوص المجموعة، فنقرأ مقاطع مثل «بين أزرق البحر/ وتنورتك الزرقاء/ أخطأت الموجة والأسماك/ طريقها»، أو «بيتكِ قريبٌ جداً/ وأنا أعلم قدميّ النسيان»، أو «لو أن كريستوفر كولومبوس/ وقع في غرامك/ لما قام يوماً عن سريره/ ونظر خارج قمرته». المرأة ممتدحة بمبالغات مجازية واضحة، ولكن هذه المبالغات تظل داخل ما هو معتاد في قصائد الحب. المبالغة واصطياد المفارقات تصبح تقنية مفضّلة في الكتابة، إلا أن المفارقات ذاتها ستحظى بطبقة من الألم والقسوة في قصائد أخرى مثل «المذيعة تقول: صباح الخير/ الجثث الطازجة لا ترد عليها»، أو «أحبك يا سوريا/ ولا أريد منك/ غير شجرة/ أنا من عائلة/ لا شجرة لها»، أو «وأنا أفتح النافذة/ أرى شجرةً وحرباً/ تبقى الأشجار/ وتغادر الحروب/ إلى الكتب».
سوريا هي ترجمة أخرى لماء الماضي الذي يتحول اليوم إلى دم مسفوك وبلا أفق، بينما تطلّ ترجمة ثالثة في نص «الصورة ليست واضحة»، حيث تتداخل مشهديات وصور من الطفولة والعائلة والجغرافيا القاسية والحميمة في مسقط الرأس، وتلمع أسماء القرى والأنهار والأماكن الكردية بين السطور التي تحاول القبض على صورة أبْهتَها الزمن والهجران. سيحضر الأب الذي ينتظر وقوع «الطائر الحرّ» في فخاخه، وتحضر كرصور وعامودا وقامشلي كخلفية لتلك الحياة التي ستتجمد في الصورة، بينما صاحب الصورة ينتظر أن تسبقه تلك الحياة يوماً لكي يتخلص منها: «أتربّص بحياتي/ أريدها أن تسبقني بخطوة/ خطوة واحدة/ تكفي لطعنها من الخلف». إنها حياة مفتقدة كفردوس ضائع، ولكنها تطارد صاحبها كماضٍ لا يمضي. ماضٍ يتضرج أخيراً بالدم والدمار.
ماضٍ «يُنظر إليه بعينٍ قديمة»، ويمكن للشاعر أن يفكر في «إعادة طبع حياتي»، ولكنه لن يحصل إلا على النسخة التي يعيشها، حيث عليه أن يكتب بالكلمات القليلة التي يملكها حياة موازية مؤلفة من الصور المنبعثة من قصائد عن الحب والحرب والبلاد. قصائد تتفاوت في جودتها، ولكن الأسى الذي يجري فيها يجعلها قريبة من القارئ.

يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza