يقترح علينا محمود حجيج في «طالع نازل» إطاراً محدداً لمجريات الفعل الموزَّع بين عيادة طبيب نفسي في أحد مباني بيروت، ومصعد المبنى. سبعة أشخاص يتوافدون على العيادة في يوم ٣١ كانون الأول (ديسمبر) في محاولة منهم لتقويم أحداث السنة الفائتة. ترافق الكاميرا تلك الشخصيات بين العيادة والمصعد، حيث تلتقي (ونلتقي) شخصيات أخرى من سكان المبنى، والناطور (فادي أبي سمرا) المرحِّب والمودّع لكل واحدة.


باستثناء بعض المشاهد القليلة التي تدعونا إلى التعرف أكثر إلى بعض شخصيات الفيلم في لحظات محددة من حياتها الخاصة، اختار المخرج تثبيت كاميرته وراء مرآة المصعد، ووراء كتف الطبيب. أمام الطبيب والمرآة (الكاميرا)، ستتعرى كل شخصية، لتسرد هواجسها ومشاكلها ورغباتها. كمشاهدين، نجد أنفسنا أمام سيل من الاعترافات لشخصيات لا يجمعها سوى مبنى واحد في بيروت، وفيلم «طالع نازل». أما خيار الاقتضاب في حركة الكاميرا، فيفسح المجال أمام الغوص الأعمق والأسلس في رواية الفيلم وقضايا شخصياته. لا شك في أنّنا أمام فيلم مميّز من حيث لغته السينماتوغرافية نصاً وإخراجاً، وأمام مخرج مدرك وجديّ في خياراته السينمائية، لذلك، اخترنا عدم الانجرار وراء موجة تشجيع السينما اللبنانية في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة، وعدم تقويمه مقارنة بالإنتاجات اللبنانية الأخيرة، لأن في ذلك ظلماً لعمل فنيّ يستحق قراءة نقدية في مستوى الطرح الفنيّ. على مدونته، يقول حجيج عن فيلمه: «حين تبقى الكاميرا ثابتة في مكانها، تزهر وتزدهر». بالفعل، اختار المخرج الثبات لكاميرته ملقياً ثقلاً كبيراً على النص والممثلين. ذلك لا يعني أنه أهمل حركة الكاميرا، والإطارات، والصورة (مدير تصوير فيليب فان لو)، بل وظّفها في خدمة لعبة البوح بالمكنونات التي تحتاج إلى بعض السكينة كي تتوطد العلاقة بين المرسل والمتلقي، برغم أن بعض اللقطات، وخصوصاً تلك المأخوذة من خلف كتف الطبيب التي تكررت طوال الفيلم، أتت ثقيلة بعض الشيء. ليس بمعنى تركيبة الصورة، فوجود جزء من كتف الطبيب ورأسه في مقدمة الإطار، أعطى عمقاً للصورة، لكنها أتت غير منسجمة مع بساطة لغة الفيلم السينمائية.
عودة إلى مركز الثقل في الشريط. يعالج حجيج حالات اجتماعية متنوعة عبر شخصياته المتعددة. يغوص في تفاصيل تطاول المجتمع اللبناني والأفراد، من دون أن تخلو مقاربته من النقد. يبني تركيبة السيناريو وشخصياته عبر تفاصيل مثيرة وإطار جدّي تاركاً مجالاً واسعاً للفكاهة، لكن النقطة الأضعف في الفيلم تكمن في التفاوت الكبير بين أبطال الفيلم وقصصهم وتمثيلهم. مشاهد الطبيب (كميل سلامة) والناطور (فادي أبي سمرا) اللذين يؤديان دور حلقة الوصل بين شخصيات الفيلم ورواياته، قدّمت بإتقان وسلاسة اعتدناهما عند الممثلين. أما مشاهد الشخصيات التي قصدت العيادة، مثل عايدة صبرا، يارا أبو حيدر، منذر بعلبكي، زياد عنتر، ومنال خضر، فقد جاءت متقنة في جميع تفاصيلها، من حيث تفاصيل انسياب النص، وتركيب الشخصية، وهمومها ومشاكلها وطريقة البوح بها والتفاعل مع الطبيب، وحركة الجسد. جميعها عناصر كانت سلسة ومقنعة من دون تكلف ولا مبالغة. مثلاً، في أحد مشاهد عايدة صبرا الذي لا يتعدى الدقائق القليلة في الفيلم، نجد بلاغة واضحة في السيناريو الذي صاغه حجيج وفي أداء صبرا نفسها. أمّ ترافق ولدها إلى جلسة عند الطبيب النفسي، فيما هي التي تحتاج إلى جلسة خاصة. بضع كلمات، وردات فعل كلامية وجسدية ــ أكان تجاه ابنها أو الطبيب أو الناطور ــ كانت كفيلة بتظهير تركيبة معقدة لشخصية امرأة بائسة ومعنّفة تتظاهر بالسعادة لحماية صورتها الاجتماعية. يكمن نجاح تلك المشاهد في أنّها تطرّقت إلى مشاكل تلك الشخصيات خلال الجلسات التي يلتقي فيها الطبيب مريضه، حيث لا يقال كل شيء. لقد كانت تركيبة تلك المشاهد ذكية بطريقة ظهّرت العناصر الضرورية لتواصل المشاهد مع الشخصية أمامه على الشاشة. يأتي ذلك على عكس المشاهد التي تابعنا فيها ندى أبو فرحات، وحسان مراد، وحسام شحادات، وديامان بو عبود، التي حشرت الكثير من التفاصيل لشخصيات معقدة التركيب، عارضةً المشكلة والمواجهة وأحياناً الحلّ. حتى إنها أضحت، عبر النص والمبالغة في التمثيل وتركيبة الشخصية أمام الكاميرا، ركيكة تستند إلى الاستعجال في تظهير تعقيدات الشخصية كما إلى بعض الكليشيهات (مثل سرد بعض التفاصيل الدرامية عبر مونولوجات للمرآة)، حتى إنّ بعضها أتى مسرحياً في التركيبة والأداء، مما أدى إلى الإحساس بأنّ تلك المشاهد لم تتخذ مساحة كافية، فيشعر المشاهد بأنها اختُزلت، أو بأنّها مشروع لفيلم آخر، مثل قصة شخصية حسان مراد ووحدته وخوفه من المجتمع الذي تحوّل إلى علاقة مرضيّة مع «مانيكاناته». هكذا، ألقت مشاهد مماثلة بثقلها على إيقاع الفيلم، بعكس المشاهد الأخرى التي تنساب برغم التعقيدات الكامنة في شخصياتها، لكنها تعبر وترحل لتضيف إلى تركيبة الفيلم من دون أن تأسر المشاهد في عالم مختلف خارجه. ليس التوقف عند تلك التفاصيل سوى لأنّ «طالع نازل» للمخرج محمود حجيج فيلم يستحق المشاهدة والنقد.