تونس | منذ تسلّم «النهضة» سدّة الحكم في تونس مع حليفيها «المؤتمر من أجل الجمهورية» و«التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات»، برعت «الجزيرة» في فبركة أشرطة الفيديو وتصوير الاحتجاجات الشعبية لمصلحة الحركة الإسلامية التي استقالت حكومتها في نهاية الأسبوع الماضي. تغطية المحطة القطرية لعمليات التخريب والدهم الليلية لمقارّ الأمن وبعض المؤسسات العامة منذ نهاية هذا الأسبوع وتصويرها المباشر لها، أمرٌ طرح أسئلة عدة في الشارع التونسي: إن مَن يسرق ويحرق ويعتدي على أعوان الأمن بقنابل «المولوتوف» المصنّعة محلياً يفترض أن يقوم بذلك تحت جنح الظلام، وبعيداً عن عدسات التصوير والكاميرات.


لكنّ حضور «الجزيرة» القوي في هذه الأحداث عزّز شبهة عدم حياديتها وارتباطها بأجندات الحركات الإسلامية التي فُضحت في مصر وتونس. الأغرب من هذا أنّ ما تعيشه تونس من أحداث مؤسفة منذ أسبوع، تصوّره «الجزيرة» على أنّه احتجاجات شعبية على خروج «النهضة» من الحكم استجابةً لجلسات الحوار الوطني التي أفضت إلى الاتفاق على استقالة حكومة الترويكا التي تقودها «النهضة». إلا أنّ «الجزيرة» تصر على أنّ هذه الاستقالة لم تحصل برضى «النهضة»، ما أجّج الغضب الشعبي!
الخطوة الجديدة التي أقدمت عليها «الجزيرة» تؤكد مجدداً عدم حياديتها وانتصارها للإسلاميين ضد القوى الديموقراطية، ما أدّى إلى تراجع نسبة مشاهدتها بشكل غير مسبوق بعدما كانت منفذ التونسيين على الحراك الحقوقي في بلادهم إبان الثورة. إلا أنّ موقف «الجزيرة» بدأ يتغيّر تدريجاً منذ تغطيتها للحملة الانتخابية لـ«النهضة»، حين كشفت عن توجهها السياسي بمساندة الحركة وتغييب القوى الأخرى التي ناضلت ضد زين العابدين بن علي، وخصوصاً الحركة اليسارية. وبعد صعود الترويكا إلى الحكم، واصلت «الجزيرة» دعمها للحكام الجدد، ما راكم الغضب عليها؛ إذ كان مراسلوها في تونس يجدون صعوبة كبيرة في تغطية أنشطة المعارضة والمنظمات النقابية والحقوقية، وقد طردوا أكثر من مرة من اجتماعات شعبية خاصة. والآن، يبدو أنّ «الجزيرة» تؤدي الدور نفسه الذي تقوم به في مصر. طريقة تغطيتها للأحداث تنذر بفتنة كبيرة في تونس. ناشطون على الفايسبوك أطلقوا أخيراً حملة كبيرة ضد القناة، مطالبين بإغلاق مكتبها في تونس. ويخشى التونسيون أن يكون توجّه «الجزيرة» مقدمةً لإغراق البلاد في العنف والفوضى والاقتتال الدموي؛ فحضور فريقها في عمليات تستهدف حرق مؤسسات الدولة ونقل بعضها مباشرة على الهواء أمر مريب، لا يمكن أن يكون عفوياً، وخصوصاً أنّه تكرّر مراراً، فماذا تريد «الجزيرة» من تونس؟ وهل تغطيتها الخاصة للأحداث بعد خروج «النهضة» من الحكم هي جزء من خطة متكاملة شعارها: إما أن يحكم الإسلاميون أو الفوضى الشاملة والحرب الأهلية؟ هكذا تحولت «الجزيرة» في غضون ثلاث سنوات من منفذ للتونسيين على ما يحدث في بلادهم الى مؤشر للفوضى والتخريب وانعدام الاستقرار.