لمياء المقدّم (1971) شاعرة تونسية مقيمة في لاهاي في هولندا، صدر لها ديوان بعنوان «بطعم الفاكهة الشتوية» (دار النهضة ـ 2007) وجديدها هذه السنة عن «دار آفاق» المصرية بعنوان «انتهت هذه القصيدة... انتهى هذا الحب». درست المقّدم الأدب العربي في جامعة «سوسة» التونسية، ومنها سافرت الى بلجيكا لدراسة «الفندقة» لكنها لم تُكمل. انتقلت بعدها الى هولندا حيث أنهت دبلومها في الترجمة من جامعة «لايدن»، قبل أن تعمل مع إذاعة هولندا كصحافية ومقدمة برامج إذاعية. في «انتهت هذه القصيدة... انتهى هذا الحب»، تؤكد المقدّم التطور الحتمي الآخذ بالشعر الى مزيد من الهواء، والحرية وانتعاش القصيدة من مخلفات سيمترية، في مساعي الشاعرة من أجل كتابة تُشبهها في الدرجة الأولى، ومن أجل إعلاء كل ما يبدو مُهمشاً، وبسيطاً، تفردهُ في قصيدتها، وتؤكد جوهر وجوده كضرورة لحركة الحياة ككل، ولإثراء الشعر في نحوه والتفاته إلى الصفوف الخلفية من المشاعر والكائنات والمشاهد التي يُهملها الشعر لصالح الأفكار.


عن علاقة المقّدم بالتفاصيل، ترى أنّ ما تقوم به يشبه «الزوم» على التفاصيل، وهذا تكتيك تعلمتهُ في الغرب: «لأنني عندما احتّك بمن التحقوا مؤخراً بالحياة في الغرب، ألاحظ أنهم لا يملكون هذه الخاصية. هي ليست عملية واعية في الأساس، لكن يبدو أنها تتكون مع الوقت. التفاصيل مهمة جداً لأنّ مجملها يصنع الكلّ أو كما تُسمينه الأشياء الكبيرة. التفاصيل تترك مساحة أوسع للتخيّل، وكلها ليس واحداً، ويختلف من شخص إلى آخر بحسب صياغته وتركيبه للتفاصيل وتعامله معها. دعيني أقول إنّ الكلّ خارج عنّا، لكن التفاصيل داخلية أو ذاتية. وكل تفصيل هو بدوره كلّ قابل للتفكيك إلى تفاصيل أخرى وهكذا الى ما لا نهاية. لا أحب أن أرى الأشياء الكبيرة. أفضّل أن أرى تفاصيلها الأصغر لأنها البعد الأعمق. تستطيعين القول في النهاية إنّني ألعب بالتفاصيل وأركبّها كما أشاء، لأخرج منها شيئاً مختلفاً في كل حين. وفي الغالب، لا يهمني الشكل العام. أعتبره عائقاً أمام المخيال وحاجزاً لا يجب أن يبلغهُ الشاعر».
عن تأثراتها، ترى المقدّم أنها تتأثر بالجميع: «كل من اقرأ له كبيراً كان أم صغيراً، من يكتب جيداً ومن يكتب أقلّ جودة. نحن في تفاعل مستمر مع ما نقرأ ونشاهد ونسمع. كل شيء يؤثر فينا ونؤثر فيه. حتى الأعمال التي يعتبرها غيري سيئة، ولا تستحق القراءة، أقرؤها أحياناً وبتمعّن كبير. هناك دائماً شيء ما يستحق أن نراه ونتعامل معه بجدية حتى في أدنى مستوياته الإبداعية. أيّ شيء ينتجه الإنسان هو إنساني، بما في ذلك القبح أو الابتذال».


ترى القصيدة الحديثة
تقنية أكثر من اللازم

لا تعرف المقّدم كيف تقيّم علاقتها بالشعر، ولا حتى بشعرها. هي إمّا تُحب القصيدة أو لا تُحبّها، حاستها هي ما تملي عليها ذلك. ترى أن «القصيدة الحديثة تقنية أكثر من اللازم. هناك اهتمام مبالغ فيه باللغة والصياغة الفنية إلى درجة أنّ كل القصائد تتشابه تقريباً. أحبّ القصائد التي تنهمر من نفسية الشاعر ومن لاوعيه، أي التي يوظف فيها حواسه بشكل فطري بدائي. قصائد برّية ربما مليئة بالأحاسيس المتطرفة والمتداعية بشكل مذهل».
المقدّم التي أمضت زمناً لا بأس به خارج وطنها، أضافت الغربة إلى قصيدتها، ومنحتها النقيض ونقيضه، وشعوراً إنسانياً عالياً يتجاوز فكرة الوطن بمفهومه الضيّق، والشوفينية التي تراها لدى الكتاب والشعراء: «أعيش داخل خليط من الثقافات والأجناس والانتماءات التي لا حصر لها، إلى درجة أنني أتساءل: كيف يمكن لشخص أن يعتبر نفسه أفضل من شخص آخر بسبب دينه أو جنسه أو لونه أو انتمائه الجغرافي؟ هذا جنون! فكرة الأفضلية فكرة سيئة ومدمرة. الغربة أيضاً منحتني العزلة، فأنا أعتبر نفسي وطن نفسي ولغته».
عن أحوال الشعراء في تونس والى أين وصلوا، تجيب: «الوصول موت. عندنا تجارب جديدة وجميلة وأجمل ما فيها أنها غير مكتملة. الشعر التونسي عانى من التهميش، وهناك ما يشبه المؤامرة الحقيقية على الشعراء في تونس. كثيرون يكتبون شعراً جميلاً وهذه ليست مجاملة للتونسيين ولا أتكلم هنا من باب التعامل الوطني. الشعر تجربة إنسانية والذين يعتقدون أنهم يحتكرونه أو يملكونه أو يتوارثونه دون غيرهم، هم ضيقو الأفق للأسف».
ترى المقدّم أن الحب محرّض قوي لكتابة الشعر، لأنه يتضمن كل المشاعر الإنسانية مجتمعة بكل تناقضاتها: الغضب، الكره، المعاناة، اللذة، الألم، الشوق، الصدمة، الخيانة، الصدق، لكنه ليس المحرّض الوحيد: «الالتصاق بالنفس هو ما يُحرّض في النهاية على الكتابة. لو كتب كلّ منّا عن نفسه، عن تفاصيله اليومية البسيطة ومشاعره الصغيرة لأثرينا الشعر بتجارب إنسانية عميقة ومتفردة».