تونس | «خُضْنا حروباً عديدة ضد استبداد الإدارة واستبداد الدولة واستبداد النقد الأدبي والتأويل الديني. لم ننتصر بالكامل، ولم ننهزم بشكل حاسم. وها نحن الآن نخوض حرباً مع مرض أمّي لا يحسن القراءة والكتابة. لا نُحمّل المسؤولية لأحد من هذه البلاد التي أحببناها صباحاً مساء ويوم الأحد، في انتظار أن تحبّنا هي بدورها إذا وجدت يوماً شاغراً في أيام الأسبوع. شكراً لكل من استخبر وسأل وواسى.


شكراً للطبيبات والأطباء. نلقاكم بخير». بهذه الكلمات المكثفة والغارقة في الأسى، أعلن الشاعر محمد الصغير أولاد احمد لمحبيه نبأ إصابته بالسرطان الذي اكتشفه الأطباء قبل ثلاثة أشهر، وبدأ سلسلة جلسات من العلاج الكيميائي في أول نسيان (أبريل) الذي يصادف عيد ميلاده (مواليد ٤ نيسان ١٩٥٥)! لم يخف الشاعر التونسي الأكثر شهرة من المرض. ها هو يواجهه بشجاعة متردداً على المستشفى العسكري في تونس من دون التخلي عن كلماته ولا نصوصه. ولم يمنعه المرض الشرس «الأمي لا يحسّن القراءة والكتابة» ـ كما سمّاه ــ من المحافظة على عاداته في التجول في تونس التي سكنت نصوصه الشعرية، وعاش في شوارعها وخاناتها ومقاهيها وأسواقها معظم سنواته الستين منذ أن جاءها أواخر ١٩٧٩ شاعراً مغموراً ليصبح في سنوات قليلة نجم المجالس والأمسيات الشعرية والتظاهرات النقابية والطلابية وصوت اليسار التونسي.
من مدينة سيدي بوزيد التي ستتحول في ١٧ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٠ الى منطلق للاحتجاج الشعبي على حكم بن علي، انطلق أولاد أحمد في كتابة نصوصه المبشرة بالثورة بعدما احترق محمد البوعزيزي كـ «فراشة» وهو عنوان القصيدة القصيرة التي كانت بمثابة البيان الشعري لأولاد أحمد عن الانتفاضة الشعبية التي قادها الجياع والمهمشون وجنى ثمارها الحقوقيون والإسلاميون الآتون من وراء البحار! في الحقيقة، لقد بدأت «ثورة» أولاد احمد باكراً. بدأها ضد الزعيم الحبيب بورقيبة في ما يعرف بـ «أحداث الخبز» في كانون الثاني (يناير) ١٩٨٤ عندما كتب قصيدة «نشيد الأيام الستة» التي كانت سبباً في منع كتابه الأول الذي حمل عنوان القصيدة. لم يصدر الكتاب إلا عام ١٩٨٨ عندما أقيل بورقيبة وتولي الجنرال بن علي الحكم، فاستقبله بقصيدة أخرى ظلت ممنوعة من التداول هي «اقبل الجيش علينا ببيان مدني» في إشارة الى «بيان السابع من نوفمبر» الذي ألقاه بن علي حال توليه السلطة. بدأ أولاد أحمد ثورته باكراً ضد البيروقراطية الإدارية في وزارة الثقافة وضد مثقفي السلطة، فسُجن عام ١٩٨٥ في سياق الأزمة النقابية بين «الاتحاد العام التونسي للشغل» والحكومة. أمضى شهراً في السجن وفصل من عمله الذي لن يعود اليه الا مطلع التسعينات عندما أسّس «بيت الشعر» عام ١٩٩٣ الذي أقيل منه سنة ١٩٩٧. من يومها، عاد أولاد أحمد الى الشارع الذي يعرفه جيداً، إذ كان «يسكن في الشارع وينام في بيته» كما يقول عن نفسه!


نجح في أن يكون أول شاعر تونسي بعد أبي القاسم الشابي يحفظ البسطاء قصيدته

نجح في أن يكون أول شاعر تونسي بعد أبي القاسم الشابي يحفظ البسطاء قصيدته «نحب البلاد/ كما لا يحب/ البلاد أحد/ نحجّ إليها/ مع المفردين/ عند الصباح/
وبعد المساء/ ويوم الأحد/ ولو قتلونا/ كما قتلونا/ ولو شردونا/ كما شرّدونا/ ولو أبعدونا/ لبرك الغماد/ لعدنا غزاة/ لهذا البلد». بهذه القصيدة يتغنى الشباب والطلبة والعمال. لقد تحولت قصيدته نشيداً ثانياً، ولحنها وغناها عدد من الفنانين مثل الزين الصافي، ومحمد بحر كما غنتها صوفية صادق إحدى نجمات الغناء في تونس.
اليوم، يبدو أولاد أحمد هادئاً. بُحّ صوته من كثرة النقاش مع «وزراء الله» كما سماهم لينين، وكلاء الله على الأرض من جماعة الإخوان المسلمين ومشتقاتهم الذين اعتدوا عليه مراراً منذ الثمانينات وصولاً الى سنة ٢٠١٢ حين نال نصيبه من «ثقافة أولاد الغنوشي» كما قال مرةً في إشارة الى المقولة الشهيرة لزعيم حركة «النهضة» راشد الغنوشي بأنّ السلفيين يبشرون بثقافة جديدة. لا يوجد كاتب تونسي عانى ما عاناه أولاد احمد من قبضاتهم المفتولة وحملات التشويه على شبكات التواصل الاجتماعي ومنابر المساجد، إذ تم تكفيره ونعته بأبشع النعوت. حتى عندما أعلن مرضه، لم تتوقف آلة التشويه الإخوانية التي وصلت الى حد الشماتة!
ورغم أنّ أولاد أحمد استقبل مجموعة من قياديي «النهضة» في بيته، إلا أنّ قواعدهم لم تتوقف عن شتم الشاعر الذي ندد بطريقتهم في احتكار الحديث باسم الله وباسم الاسلام. وكان قد دعا الله منذ الثمانينات إلى تمزيق تذاكر دخولهم الى الجنة في قصيدته «أدعية» من مجموعته الثانية «ليس لي مشكلة»: «إلهي:/ لقد تمَّ بيعُ التذاكِرِ للآخرهْ/ ولم أجد المال، والوقتَ، والعُذرَ/ كي أقتني تذكرهْ/ فمزق تذاكرهمْ يا إلهي/ ليسعدَ قلبي/ ألم تعد الناس بالمغفرهْ».
لم يتغير أولاد أحمد منذ أن جاء من سيدي بوزيد شاباً حالماً غاضباً، بنفس التوهج والتعلق بالحياة يستقبل أصدقاءه ويستقبل وزراء ومستشاري الرئيس ورجال أعمال وطلبة وناشطات في الحركة النسوية وسياسيين من كل الأطياف ونقابيين. رغم شراسة المرض، ما زال يتجول مع ابنته الصغرى كلمات (٨ سنوات) في الأسواق والشوارع غير عابئ بالمرض الذي يعتبره إحدى معاركه، قد يخسرها وقد يربحها إلى حين، فـ «الموت» هو أحد ثلاثة يحبهم كما قال في قصيدته الأخيرة التي كتبها قبل أسبوع في المستشفى العسكري في تونس: «الطابق التاسع/ المستشفى العسكري/ تونس 16 جوان 2015/ قسم الأمراض الصدرية والحساسية/ أُحبُّ ثلاثةً ماتوا: أبي/ والموتَ/ والشعرَ العظيمْ/ أُجلُّ ثلاثةً عاشوا/ الحياةَ/ وبنْتَها/ ومُضارعَ الأفعال في النحو القويمْ/ أُطلُ على الحقيقة: “فوهةٌ جبليةٌ”/ لا الرملُ يُشْبعُها/ ولا الماءُ العميمْ/ أُقلُّ على السفينة نُسْختيْن منَ البلاد/ وخيمة/ أغفو بها/ وأنا أُحلقُ، كالفراشة، في السديمْ/ ألحّ على الفواصل والنقاط/ لأنني لا حرف لي غير الفواصل والنقاط/ سماؤنا مشكولةٌ أيضاً/ ولا لغة لها منذ القديمْ/ أعدّ طعام من يبكونَ حولي:/ صادقينَ/ وكاذبينَ/ وعاشقينَ/ وشامتينَ/ وقارئ القرآن لا أنساهُ/ يختصرُ الوثائقَ و”المُغيرَةَ” هكذا:/ ألفْ/ لامْ/ ميمْ/ أصرّ على اعتبارك نسخة أصلية مني/ وأني أنتَ بالتحديد/ لولا فارقٌ في فهْم “جنات النعيمْ”/ أُقرُّ بأنهم طمعوا بما بَعْدَ ـ الحياة/ فكان/ أنْ عاشوا حياةً… كالجحيمْ !»
مرض أولاد أحمد تحول إلى حدث يخيم على الشارع، فهو ظاهرة تونسية حول الشعر من مجرد نص يكتب في الصالونات الى إيقاع حياة. في كل أعماله الشعرية والنثرية التي دشنها بـ «نشيد الأيام الستة» (١٩٨٤ ــ لم يصدر إلا في ١٩٨٨)، لم تغب أصوات البسطاء والحمام والبحر والرعاة الذين عاش معهم طفولته، فشعره إيقاع الحياة ونبضها. لم يتخل عن أي معركة سياسية أو نقابية في البلاد: أحداث الخبز عام ١٩٨٤، الأزمة النقابية عام ١٩٨٥، وفي التسعينات بعد مغادرته «بيت الشعر» بسبب مواقفه وتصريحاته وانحيازه للحركة الديمقراطية في مواجهة بن علي وصولاً إلى الاحتجاجات الشعبية التي أنهت نظام بن علي. كان دائماً ضد السلطة لإيمانه بأنّ دور المثقف هو التنديد بالسلطة والانتصار للناس.
لم ينجح المرض في التأثير على معنوياته، لكن هناك شيء من الأسى يشعر به. لقد عاش حياته في معركة ضد البيروقراطية والاستبداد، وناله التشرد والقمع والحرمان من العمل بسبب مواقفه السياسية. لكن ذلك قدر المثقف الذي يرفض هدايا السلطان المسمومة ومصيره، فأولاد أحمد هو «تونس الأخرى ورمادها» كما وصف نفسه.