صنعاء | ظهر خجولاً وفاهماً ذلك الصاروخ الذي أطلقته طائرة من سلاح العدوان السعودي فجر السبت على الجزء الجنوبي من مدينة صنعاء التاريخية ولم ينفجر. لكنّ نزوله أدى إلى هدم ثلاث بنايات في المدينة واستشهاد نحو ستة أشخاص منهم خمسة من أسرة واحدة. ونقول مجازاً إنّ الصاروخ قد ظهر فاهماً أكثر من آل سعود الذين أمروا بإطلاقه على مدينة هي من أقدم مدن الدنيا الآهلة بالسكّان منذ 2500 سنة وموضوعة منذ عام 1985 ضمن قائمة اليونسكو للتراث الإنساني غير القابل للتعويض.


ولو انفجر هذا الصاروخ، ما كان أحد ليعلم حجم الكارثة التي كان سيسبّبها في المكان. نقصد هنا الخسارة التاريخيّة تحديداً. يبدو أن العدوان السعودي قد انتقل من مرحلة إبادة الناس في اليمن إلى مرحلة إبادة الأثر والتاريخ البشري الذي يحويه المكان اليمني على اتساع رقعته الجغرافية.
لكن هل نستغرب هذا العداء السعودي تجاه التراث الإنساني؟ عداء مُنطلق من عقلية وذهنية وهابيّة متأخرة تمنع الاحتفاظ بالأثر الإنساني وتكريمه والاحتفاء به على اعتبار الأمر نوعاً من تقديس الأماكن والشرك بالله. لا ننسى هنا عمليات التدمير التي لم تتوقف بحق الأثر الإسلامي الموجود في محيط موقع الكعبة في مدينة مكة وما كانت تضمه من منازل للرسول محمّد وزوجاته وأماكن إقامة رفاقه الذين ساندوا دعوته، حيث تم تدمير ذلك المحيط بحجة التوّسع في الحرم المكي ليبني أحفاد محمد عبد الوهاب بدلاً منها فنادق مراكز تجارية.
ويبدو أنّ عملية العدوان السعودي الجديدة على مدينة صنعاء القديمة قد جاءت لتعيد النظر في عمليات سابقة توضح أنها لم تحدث من باب الخطأ أو سوء التقدير. لقد أتت مُتعمدّة ومقصودة تم التخطيط لها على نحو مُسبق. نذكر هنا عملية قصف «سدّ مأرب القديم» التي أصابت المصرف الجنوبي لذلك السدّ بانهيارات بالغة وجسيمة. أمرٌ دفع «الهيئة اليمنية العامة للآثار والمتاحف» لاستنكار استهداف طيران العدوان السعودي واحداً من أقدم وأهم سدود منطقة الجزيرة العربية، وهو ما يُعتبر خرقاً فاضحاً للاتفاقيات الدولية منها النداء العالمي لمنظمة الأونيسكو بضرورة تجنيب مواقع التراث الإنساني أي استهداف عسكري مباشر أو غير مباشر. كما أن تعمّد توجيه هجمات ضد الآثار التاريخية واحدة من الجرائم التي تخضع لملاحقة من قبل المحكمة الجنائية الدولية. يبدو أنّ آلية سير العدوان بخصوص تدمير التراث التاريخي اليمني قد أتت بشكل متقطع ومتفرّق على نحو لا ينجح في لفت الأنظار باتجاهه، خصوصاً مع تركيز الناس على إحصاء عدد الشهداء الذين قصفت آلة القتل السعودية حياتهم. ومن عمليات العدوان على التراث اليمني والإنساني ما حدث من سقوط لقبّة دار المخطوطات في المسجد الكبير في صنعاء القديمة نفسها بداية الشهر الفائت.


سقوط قبّة دار المخطوطات
في المسجد الكبير

هذه الدار مع المسجد تعود إلى بداية التاريخ الإسلامي، وتحتوي على وثائق لا تُقدّر بثمن. أضف إلى ذلك تدمير «مسجد الامام الصنعاني» في منطقة سنحان (جنوب صنعاء). مسجد يزيد عمره عن 800 سنة هجرية. ترافق ذلك مع تدمير «مسجد الامام الهادي» في مدينة صعدة (شمال صنعاء) ويزيد عمره على آلاف سنة، إضافة إلى تدمير سور مدينة صعدة القديمة بشكل كلّي. حدث ذلك بداية الشهر الثاني من العدوان عندما أعلن الناطق باسم العدوان أن كُلّ مدينة صعدة صارت هدفاً عسكرياً، قبل أن تتعرّض لقصف جنون غير مسبوق. كما قُصف «معبد صرواح» في منطقة مأرب، وحصن براقش الواقع بين محافظتي الجوف ومأرب، إضافة إلى قصف معبد بلقيس الشهير.
أمّا مدينة تعز الجنوبية، فقد نالت قلعة القاهرة نصيبها من القصف، وهي الأثر الباقي منذ العصر ما قبل الإسلامي، وقد تم العثور في محيطها على حفريات تمتد إلى حافة عصر الحكم الرسولي لليمن.
ونالت مدينة عدن نصيبها عبر قصف صهاريجها التاريخية الشهيرة التي كانت سبقاً في التاريخ القديم من حيث قدرتها على تجميع الماء بطريقة غير مسبوقة وتمّت عملية تشكيلها على نحو جمالي فاتن وفريد. مدن الغرب اليمني نالت أيضاً نصيبها من القصف الذي استهدف حصوناً وقلاعاً ومساجد تاريخية واقعة في مناطق قريبة من سهل تهامة ومنها قلعة زبيد وباجل. وظلت طائرات العدوان تقصف بصفة شبه يومية جبل عطّان المُطل على صنعاء، وهو الذي يحتوي على حصن عطّان الأثري، ومواقع أثرية تضمها قائمة لوائح التراث اليمني. إلى هذا، لاقت ذمار (تبعد عن صنعاء بنحو 150 كلم)، مدينة الشاعر اليمني البارز عبد الله البردوني ومسقط رأسه، نصيبها من القصف بعد تدمير المتحف الأثري الهام الذي يحتوي على أشغال تاريخية تدخل في قائمة أبرز الآثار اليمنية على اعتبار هذه المدينة واحدة من أكبر المدافن التاريخية على الإطلاق، وتجري فيها عمليات اكتشاف متتالية بين فترة زمنية وأخرى. ولعلّ المُحزن هنا قيام مملكة عمرها أقل من 100 عام بتدمير آثار وتاريخ بلاد مثل اليمن عمرها يزيد عن 3000 سنة.




الأونيسكو... تندد

وجدت الأمينة العامة لـ «الأونيسكو» ايرينا بوكوفا أمام جريمتين تحصلان بحق التراث الإنساني. كانت الأولى على يد «داعش» في تدمر التي تم وصفها بـ»جريمة حرب»، والثانية على يد طائرات آل سعود بحق تراث مدينة صنعاء القديمة. وقالت بوكوفا في بيان: «إنني متأثرة كل التأثر للخسائر في الأرواح البشرية، وكذلك للتدمير الذي لحق بواحدة من أقدم جواهر الحضارة الإسلامية. لقد أصبت بصدمة جراء صور المنازل الرائعة البرجية ذات العديد من الأدوار والحدائق الهادئة التي نالها التدمير»، مشيرة إلى أنّ هذا التراث الإنساني «هو رمز لتاريخ البلاد الذي يعود إلى آلاف السنين من المعرفة، وينتمي إلى الإنسانية جمعاء». من جهته، قال الناطق باسم العدوان السعودي رداً على بيان المنظمة الدولية أنّ لا عملية قصف جرت ضد المدينة وأنهم لا يقصفون المناطق السكنية. ولنا أن نسأل: ماذا تفعل طائرات آل سعود إذاً منذ أكثر من ثلاثة أشهر في السماء اليمنية!