«إن أحسنتَ التصرّف سأسمح لكَ أن تحلم بالدبّ». دعابة لا يمكن أن يسمعها طفلٌ لم يلتقِ خورخي لويس بورخيس (1899- 1986). الكاتب الذي يعتبر بيضة القبّان في أدب أميركا اللاتينية، وشغل العالم بكتاباته، ونظرياته عن الأدب والقراءة، لم تكن حياته مفصولة عن أدبه، ما جعلها مادّة مثيرة للقراءة والتحليل، وإعادة اكتشاف كوامن هذه الشخصيّة الاستثناء في عالم الكتابة والقراءة.

في كتاب «مع بورخيس» (2004) لألبيرتو مانغويل (1948) الذي صدرت ترجمته العربية عن «دار الساقي» (2015- ترجمة أحمد م.أحمد)، يكون القارئ على موعد مع رحلة استكشاف لعوالم بورخيس السريّة، وهذه المرّة بقلم واحد من أعلام الثقافة المعاصرين، صاحب كتاب «تاريخ القراءة» الذي حظي ــ في الـ 16 من عمره ـ فرصة أن يكون واحداً من كثيرين قرأوا للكاتب الضرير، من دون أن يكون واعياً، آنذاك، لهذا الامتياز. لكنّه يدرك بعد كل تلك السنين، أيّ عالم ثريّ حظي بالعيش فيه لأربع سنوات، استطاع خلالها أن يخوض مع بورخيس في ما يجب أن تكون عليه الأحاديث «حول دقّة الكتاب، واكتشاف كتّاب لم أقرأهم من قبل، وأفكار لم تكن لتخطر لي».

لم يكتب مانغويل في «مع بورخيس» سيرة ذاتية، رغم أن ما يرويه هو تجربة شخصيّة، بقدر ما حاول تكريس ذاكرته لصالح شبكة من العلاقات الشائكة، بين القارئ والكاتب، الكاتب والكتاب، القارئ والكتاب، الكتاب والحياة برمّتها. كأنه بذلك يحمل القارئ إلى خلف الجفنين المغمضين لبورخيس، ليمكنّه من رؤية مختلفة للأشياء. الكاتب الذي رأى أنّ «العالم مكتبة» كانت مكتبته المنزليّة مخيّبة للآمال. لكن يبدو ذلك طبيعاً لمن استطاع أن يرى الحياة من خلال الكتب، ويرسم لنا خرائط لقراءة ما هو أبعد من الحياة الواقعية. يقول بورخيس في إحدى المرّات: «يطيب لي أن أكتب قصة بجودة الحلم. حاولت، وأحسب أني لم أفلح قط»، ما يفسّر تلك العوالم التي أبدع في ابتكارها، لتشبه حياة موازية للحياة، وفضاءات مفتوحة على اتسّاعها لتستوعب من الأفكار ما لا حدود له. لكن القارئ الأكثر شغفاً لم يكن مدفوعاً لاقتناء الكتب بفعل الواجب، بل كان ينشد المتعة، التي هي باختصار أسمى معاني الحياة. ويبدو بورخيس ـ عبر مانغويل ــ قارئاً أكثر من كونه كاتباً. العجوز الذي فقد بصره في الـ 58 من العمر، كان يعيش في عالم لفظيّ «نادراً ما داخلته الموسيقى واللون والشكل». لقد كان، بحسب مانغويل، «أعمى أبداً». لكن رغم ذلك، لا يمتنع عن الإعجاب بأعمال صديقه خول سولار، وأعمال أخته نورا، أو دورير وبيرنسي وبليك ورامبرنت. غير أنّ ذلك كان «إعجاباً أدبياً وليس أيقونياً». وكذلك حبّه لموسيقى موتزارت، وتذكّره لموسيقى رافقت أفلاماً محددة. لم يكن معنياً كثيراً بمن ينتج الفن، قدر اهتمامه بالفن بحدّ ذاته. حتى أصدقاؤه من الكتّاب لم يتحدّث عنهم إلا من خلال كونه قارئهم، حيث القارئ، برأيه، يضطلع بمهمّة الكاتب، «إذا لم أفهم قصيدة، فلن أستطيع فهم ما هي نيّة كاتبها».
جوهر الحقيقة يكمن في الكتب، بالنسبة إلى بورخيس، الذي كان يعي أنّ كلّ حديث عن الكتب يعني متابعة حوار بدأ قبل آلاف السنين، وسيستمرّ إلى ما لانهاية، مما يفسّر نفوره من النظريات الأدبية التي تجاري الموضة، ويلقي لومه على الأدب الفرنسي لتركيزه على المذاهب والشلل الأدبية، بدل تركيزه على الكتب. يقول بورخيس لمانغويل: «مع الزمن، كلّ قصيدة تصبح مرثاة»، وهو ما يفسر اهتمامه بالشعر، فهذا الشكل من الصياغة اللغوية يبدو ـ في مكان ما ـ أقرب إلى صورة الحياة، فكيف إذا ما امتزج الشعر بالملاحم؟ عندئذ سيغدو بورخيس شغوفاً حدّ أن تفيض عيناه بالدموع.


كان يرغب بكتابة قصة
بجودة الحلم
كلّ المحن المتأتيّة من الآلهة لم تكن بالنسبة إليه إلّا مبرراً لخلق الفنون «تحوك الآلهة للإنسان المحن كي يكون للأجيال القادمة ما تغنّي عنه». لكن أين يقف شخص كبورخيس من فكرة الآلهة والإيمان، هو المسكون بهاجس البحث عن الحياة حتى في الخطوط اللامرئيّة، ليعيد صياغة مفرداتها بما يتيح لقارئه أن يرى ما لا يُرى. «أنا النقيض للكاثوليك الأرجنتينيين، إنهم يؤمنون لكنّهم غير معنيين، أنا معنيّ لكني لا أؤمن». بهذه العبارة يشرح بورخيس علاقته بفكرة الإله، مفضّلاً المتاهة الدائريّة، لما تتيحه من إمكانيات لقراءة الحياة وفهمها بشكل مختلف.
يحاول مانغويل في «مع بورخيس» توريط القارئ في عوالم شخصيّة استثنائية، لكنّه بمهارة عالية يورّطه في علاقة متعدّدة الأبعاد، فمانغويل اليوم ليس ذلك الشاب الذي قرأ لبورخيس فقط، بل هو اليوم منتج للأدب، وللنظريات الأدبية. وبالتالي نحن أمام سيرة نتلصص من خلالها على تفاصيل حياة كاتب وَسِعه أن يرى حياة كاملة. وفي الوقت نفسه نشهد لحظات تشكّل الوعي لدى مراهق سيروي لنا، بعد سنوات طويلة، سيرةً لا بد من أن بورخيس كان ليتوق أن يقرأها، أو أن يجد من يقرأها له. كأنّ مانغويل بذلك يؤكّد مقولة معلّمه الذي تعامل مع الحياة على أنها ملحمة متواصلة منذ نشأتها الأولى، حاملها، وصلة الوصل بين ماضيها ومستقبلها، هو الكتاب «تلك المعجزة المتواضعة» الذي لا يمكنه أن يفنى. «إذا فُقدَ كتابٌ، فسيكتبه أحد ما من جديد في نهاية الأمر» هي ثِمَةُ الخلود الكافي، لشخص رأى أنّ من يتوق للخلود لا بدّ أن يكون مجنوناً.
لا يبخل مانغويل على قارئه في عرض مزايا بورخيس الشخصيّة، لنكتشف نزقه، ومقدرته على السخرية، وعدم إعجابه بالكثير من الأسماء الأدبية التي أسهمت في تشكيل الثقافة العالمية، ورؤيته المختلفة حول أنّ «كلّ كاتب يخلق أسلافه الخاصين به» معيداً الكاتب إلى علاقته بالماضي، وإعادة انتاجه، بما يمكن ألّا يتوق لكثير ممّن يصرّون على أنّ علاقتهم هي أوّلاً مع المستقبل. يؤكّد مانغويل بذلك على أبديّة الأدب، بعيداً عن الإعجاز، كواحد من الفنون التي يقول عنها بورخيس: «على الفن أن يكون مثل إيثاكا تلك، بأبديّة خضراء، وليس بمعجزات».