رام الله | كعادته في الحديث عن الأشياء، يبقى مبهماً حتى يكتبها. كأنه يخلع عن الكلمات رداء الخِفية، ويصبحُ الصوت أكثر وضوحاً من مجرد أصوات الحروف التي يقولها كثيرون. ولأننا نحاول أن نراه في ما لا يُرى، لا يتركُ لنا وسيم الكردي (مواليد القدس عام 1960) ثغرة في لباسه الأسود لنرى هشاشة القلب التي تختفي خلف جسد رياضي يحاول أن يبقى فتياً ولو لم يظهر من الشيب سوى ثغرة بسيطة نرى منها كل شيء.


أطلق الكردي أخيراً ديوانه الرابع «في ما لا يُرى سأراك» (دار الأهلية للنشر ــ عمان) في «متحف محمود درويش» في رام الله. الكردي الذي يحاول أن يختبئ دوماً من أن يكون شاعراً أمام الناس، كشف نفسه هذه المرة، وأصبح مرئياً تماماً أمام من حضر، في التقاء الموسيقى مع الشعر أو كما فضل أن يسميها ضيافة الشعر للموسيقى برفقة الموسيقيين يعقوب حمودة ومحمود عوض والمغنية ميرا أبو هلال الذين عزفوا وغنوا بعضاً من شعره.
الملفت هذه المرة هو القصيدة الجديدة والأكثر انقلاباً من قبل. إنه يعود بالقصيدة إلى الماضي كي تكون أكثر معاصرة. يقول الأشياء التي نريد أن نقولها الآن وسنرغب بقولها بعد سنين، لكن بصوت ذلك الشاعر الذي مات في الصحراء وحيداً بعدما أتاه سهم من الخلف لأنه لا يلتفت إلا لأربعين فارساً، بالمفردات التي نفهمها وفي البنيان الذي نحبه والصور التي تذهلنا.
لقد ركبت قصيدة الكردي فروسية الشعر العربي بين المدن وناطحات السحاب، بأسلوب لم يبدُ غريباً ولا عتيقاً رغم الشكل العمودي للكثير من القصائد، والقافية والوزن اللذين ظهرا بشكل قريب من الأذن. لم تأتِ القصيدة ضاربة في اللغة ولا سطحية بل في المنتصف، فإذا بنا أمام طرح جديد مستلهم من القصيدة القديمة.


خيال مزُجت فيه الميثولوجيا بالتراث والمعاصرة

لعل تجربة الكردي الشخصية في كتابة القصيدة المغناة من جانب والقصيدة المبنية على الفلكلور من جانب آخر، جعلت ظهور هذه التجربة أمراً منطقياً لتسلسل نضج الكلام بنضج تجربة الكاتب الشعرية. بين كتابة القصيدة الغنائية والفلكلورية، أصبح مجال المفردات أوسع وأكبر والتقت الصور الشعرية العمودية بتلك الفلكلورية في نص واحد، وأصبحت المقاربات بين القديم والمعاصر أكثر انسجاماً لتكون قصيدة معاصرة الطلة.
لم يختف الإيقاع الذي تورط فيه وسيم في إيجاد التناقضات منذ القصائد الغنائية الأولى إلى القصائد الأخيرة بوتيرة تصنع مفارقات المشهد من جانب واللغة من جانب آخر. هذا التناقض هو التقاء في خلفية القصيدة أيضاً، فهو يشكل نمطاً وأسلوباً، بالإضافة إلى كونه يشكل صورة بانورامية لكل المشهد المكتوب، فيصبح مجال الرؤيا كاملاً لكل ما يحدث، كأن نرى المشانق وما خلفها والجلاد والضحية معاً.
هذا الاقتراب في الخيال لم يكن سذاجة تقودُ صاحبها، بل حالة غوص في العمق بدلاً من الطوفان فوق الأسطح، ويمكن أن نرى الخيال الريفي بالأعشاب الجبلية مثلاً يتلاقى في صورة شعرية مع رموز الحضارة الكنعانية، ولا نجد تناقضاً مفزعاً أو ضياعاً في تحديد الهوية، بل خيالاً مزُجت فيه الميثولوجيا بالتراث والمعاصرة، وهذا يحتاج إلى كم من المعرفة لإدراك القصيدة وليس فقط فهمها لغوياً.
ربما التحرر من قيود الفكرة وكسر المسلمات التي تبدو منطقية، هو ما جعل شعر الكردي أكثر حيوية كأنه يتحرك ويرقص على سحاب متماسك. حين سألناه: إلى أين ستأخذك القصيدة؟ قال: إليَّ. كأنه في حالة بحث مستمرة للوصول إلى نفسه، للوصول إلى الكلمة التي يريد، وهنا يمكن لنا أن ننتظر بناء شعرياً جديداً أو بناء يُرى منه الذي سَيُرى.