في كتابه «اعترافات روائي ناشئ»، يفرق الإيطالي امبرتو إيكو بين نوعين من اللوائح، الأول هو اللوائح العلمية، أي تلك اللوائح العلمية البراغماتية (قائمة مشتريات، محتويات أرشيف...). أما النوع الآخر فهو اللوائح الأدبية أو الشعرية التي يعرّفها إيكو على أنّها «لوائح مفتوحة، وتفترض بشكل من الأشكال، الصيغة الآتية (إلى آخره، نهائي)، فهي تهدف إلى إثارة ما لا يحصى من الشخصيات والأشياء، والأحداث لسببين: أن الكاتب يدرك أن كمية الأشياء كبيرة لدرجة يصعب تسجيلها جميعاً، وثانياً يستمتع الكاتب بتعداد لا نهاية له، ويتعلق الأمر أحياناً بلذة سمعية».


اللوائح، بالضبط، هي الشرط الفني الصعب الذي فرضه الروائي المصري أحمد عبد اللطيف (1978)، على نفسه، وعمله في روايته الجديدة «إلياس» (العين للنشر ــ القاهرة). لذلك، نستطيع القول بثقة إنّ اللغة في رواية «إلياس» تلعب دور البطولة. بطولة تكاد تكون مطلقة. عبر مجموعة طويلة من اللوائح التكرارية، يدوّن إلياس الحيوات المتعددة التي عاشها، ويمرر عبد اللطيف بحرفية عالية، الحكاية، عبر ذلك الثقب الضيق، المتمثل في اللغة المميزة التي يكتب بها إلياس.
يفتتح عبد اللطيف روايته باقتباس عن ابن كثير: «وقال مكحول بن كعب: أربعة أنبياء أحياء، اثنان في الأرض: إلياس والخضر، واثنان في السماء: إدريس وعيسى». هذا الاقتباس الافتتاحي، إشارة مفتاحية تحيل على معنى الخلود، لا ذلك الخلود المتواصل الذي لا يهرم فيه الإنسان، بل ذلك الخلود على طريقة الديانات الشرقية «الكارما»، حيث يعيش إلياس في سنوات عدة مختلفة، يبعث في كل عصر، بشخصيته وهويته، بـ»إلياسيتيه» إن صح الوصف، كما يقول البطل عن نفسه.


مساءلة الزمن والحياة من زاوية الخسارة والهزيمة، هزيمة الإنسان وحيرته الوجودية الأزلية

يقول إلياس: «انتظار الموت يأتي بالموت. فقدان الرغبة في الحياة يأتي بالموت. الشبع من الحياة يأتي بالموت. ربما لذلك أماتوني عدّة مرات. أماتوني دون أن أكون قد مت. أم أني مت دون أن أدري؟ لا أعرف. كما لا أعرف بماذا يشعر الميت. ماذا يرى. كيف يتكلم. هل يعرف الميت أن الميت ميت. لا أعرف. لا أعرف. لكني أعرف أني جثة متحركة منذ زمن بعيد. أعرف أن الجثة المتحركة تتجول. الجثة تنام وتصحو. الجثة تأكل وتتغوط. الجثة تنظر للعالم من الشرفة. أعرف أني جثة متحركة. وأنظر للمرآة كجثة متحركة. لكن لا أعرف لماذا يطاردني هذا الصوت الذي يرن في رأسي بأسئلة. ولا أعرف جواباً للأسئلة».
في حيواته المتعددة، يبدو إلياس مشطوراً، هو أكثر من إلياس، هناك ما يميز كل نسخة منه عن باقي النسخ، وهناك أيضاً ما يجمع تلك النسخ جميعها، ثمة نقاط مشتركة: هزائم إنسانية، ساق يسرى مبتورة في كل الحيوات، هناك ضياع معاً، ضياع مكرور وعبثي يستدعي الإحساس بالحيرة والنقمة في آن. يسائل إلياس – الإنسان – الزمن والحياة، يقاربهما من زاوية الخسارة والهزيمة، هزيمة الإنسان وحيرته الوجودية الأزلية والأبدية.
فكرة تعدد الحيوات، فكرة غير عادية بطبيعة الحال، مضافةً إلى الرهان اللغوي الصعب، المتمثل في الأسلوب «اللوائحي» التكراري المميز الذي اختاره عبد اللطيف – والذي يتماهى مع الحيوات المكررة واللانهائية لإلياس - جعلا الرواية عملاً تجريبياً وطليعياً بجدارة، خاصة إذا عرفنا أن الكاتب قام بتقسيم الحكي إلى خطين. هناك فصول تحمل الترقيم (1) بشكل متكرر، وهي تلك التي نلمح فيها إلياس الرئيسي، الراهن، بسمات وصفات ودراما متقاربة، بينما هناك فصول أخرى تحمل ترقيماً متسلسلاً تصاعدياً، وهي تلك التي تنتهي بتواقيع تواريخ مختلفة، تشير إلى الحقبات الزمانية المتعددة التي عاشها إلياس، وامتهن فيها مهناً متعددة.
«إلياس» لا تسلّم نفسها للقارئ دون مراودة، وربما تحتاج لنوعية نخبوية من القرّاء، ذلك القارئ المدَرَّب الذي يستطيع التعامل مع معطيات النص، لا سيّما أن الروائي يستخدم الكثير من أدوات اللغة ويطوعها لصالح خدمة تفاصيل السرد. يلعب عبد اللطيف مثلاً بعلامات الترقيم، فكل جمل إلياس يعقبها نقطة، بينما في فصل كانت الفواصل التي تعقب كل الكلمات، كلمة كلمة، إشارة أخرى لتغير المتحدث، إذ كان ذلك الفصل رسالة موجهة إلى إلياس.
التحدي الفني الذي يضع «إلياس» في موقع متقدم من حيث التجريب، والاختلاف، يكاد ينحصر في اللغة، والأسلوب المتفرد الذي كُتبت به، ومن ثم يتطلب الأمر تحكماً عالياً في الأدوات، ليستطيع الروائي تمرير المعلومات، وتسريب حياة كاملة، عبر ثقب ضيق، أو نقل أثاث منزلي كامل سيراً على الحبال. تبدو طريقة تكرار المعلومات بصياغات لغوية مختلفة، تلك اللوائح القصيرة جداً، بصمة خاصة شديدة الذاتية، لن تجدها في أعمال أخرى ولن تسمعها من شخصيات روائية أخرى.
ربما طالت تلك اللوائح في بعض المواضع أكثر مما ينبغي، لكن ما الحيلة ونحن أمام شخصية تحمل بصمة أسلوبية مميزة، هذه البصمة – في المقام الأول – هي التي ضمنت لشخصية إلياس هذا التحقق، رغم عجائبية عوالم الرواية، تلك العجائبية المتمثلة في الفكرة العامة للعمل، وبالأخص ما يتعلق بالحيوات المختلفة التي عاشها إلياس، وتخدم المنطق الداخلي الاستثنائي: «خرجت دون أن أدري ما أشاء. تجوّلت في الشوارع القريبة دون أن أدري ما أشاء. كانت الشوارع القريبة بركاً حمراء. بركاً دون أن أشاء. حمراء دون أن أشاء. دخلت في الأزقة لأتجنب البرك الحمراء والبحيرات الحمراء. رأيت حانة حمراء. رأيت مقهى أحمر. رأيت سوبرماركت أحمر. فكّرت في أن العالم مصاب بالحصبة.
فكرت في أن اللون الأحمر مضاد للحصبة. كنت أعرف أن العالم ليس مصاباً بالحصبة».