تباغتنا أحياناً فكرة أو نظرية، ربما لا أساس لها، وتظل تُلّح علينا إلى أن نصطدم بتجربة تؤيد نظريتنا بشكل ما. الديوان الأول للشاعر السعودي عبد الله المحسن (مواليد 1997) «يترجلُ عن ظهرهِ كخطأ كوني» (دار مسعى ـــ 2014) يحيلنا ولو بشكل جزئي على نظرية أن الشِعر في الجينات. الديوان عبارة عن سيرة ذاتية، لكنها ليست السيرة التي يبدأ بها الشعراء مسيرتهم الشعرية عادة.


إنّه الرائي والراوي الواقف خلف بعد زمني بينهُ وبين حياتهِ ولا يملك من السُلطان عليها سوى تدوينها عبر نصوص جاءت متراشقة بقوتها تارة، وطوراً بخفتها الضاربة في العمق. ابتداء من مدخل الديوان والإهداء، يدرك القارئ أنه سيقرأ ديواناً مختلفاً ومثيراً. عوالم المحسن غارقة في تفاصيلها المنبثقة من ذهنية شاب ولدَ ونشأ في مجتمع واضح المعالم وغاية في التعقيد. يجد الشاعر نفسهُ أمام محاكمة نفسهِ في تقييم وإعادة صياغة المفاهيم المجتمعية التي نشأ عليها والقصص المتوارثة عن الخلق والخالق. وبينما يحاسبُ نفسهُ، يضعنا أمام محاكمة أنفسنا ومراجعتها من خلال لوحات شعرية تشبه كثيراً، رسومات ميكيلانجيلو، لكنها مرسومة على سقف العالم الذي ما أن نرفع رأسنا عن نص من نصوصهِ حتى يتركنا في دوامة اسئلته الوجودية: «أنظر للأعلى من هذا الجبّ/ وأظنُ أن السماء عطشةٌ وستغترفني الآن في دلوٍ من الموت/ اسمي لا أعرفهُ/ وأتذكّرُ أني طفلٌ كنتُ أختلسُ النظر للشيطان/ وأنا أسجد لآدم». الحياة والموت «فعلان» متعاقبان لمعنى وجودهِ. هكذا يرى الشاعر من خلال تعاقب نصوصه بين رصد ولادتهِ واستشرافهِ للحظة موتهِ. في الحالتين كلتيهما، لم يبتعد المحسن عن استنباط الأجوبة الدينية عنهما. الأسئلة الحياتية التي وعى عليها لن تتوقف بمجرد موته، بل ستثمر أسئلة أخرى متشعبة عن مفهوم الفضيلة والإثم: «سأموت/ أنا الذي ستنمو فوق قبري/ شجرة تفاح/ مليئة بالآثام». يتوقع الشاعر أنه سيفرط في حب الحياة وأسبابها، والتفاحة أحد أسباب حياتنا الحالية. بغض النظر عن صحة القصة ومقدار إيمان الشاعر بها ولكنهُ بشكل ما يقول إن كانت الحياة «إثماً» فإنّه يدلّ على صاحبه حتى في قبره.


الاعتقادات والعادات الدينية المتوارثة في بيئته طبعت تجربته

إن الخلفية الثقافية للشاعر التي نستشفها بكل يُسر من خلال تفاصيل نصوصه، أهلتهُ بكل سلاسة المضي بقصيدتهِ من دون توقفات عسيرة قد نلاحظها في نصوص شعراء من عمرهِ. عوداً على بدء ونظرية الشِعر في الجينات، يبدو أن الاعتقادات والعادات الدينية المتوارثة في بيئة شاعر ما لها تأثيرها الأكبر على شعريتهِ وموهبتهِ الفطرية. الشعر في جنوب العراق مثلاً، ليس كما الشعر في شماله. قيل في الأثر إنّ الطفل في الجنوب يولد وفي فمهِ قصيدة، لأن هذه المنطقة منذ بدء التاريخ تعودت أن تغني أحزان البشر وتنوح مثل طائر حزين على الفقد والحرمان. يرهف الطفل سمعهُ إلى صوت أمهِ وهي تهدهدهُ بأنغام حزينة تشجّ الذاكرة المبكرة. قبل أحزان عاشوراء كانت هذه المنطقة ـ ويقصد بهم السومريون ــ تبكي وتلطم على الصدور على من يفقدون. ويبدو أن هذا تاريخ مشترك امتد ليصيب ما هو خارج بلاد ما بين النهرين، ومنها مناطق في السعودية والبحرين. وهذا ما يشير إليه الشاعر في سرد سيرتهِ التي تتضخم شيئاً فشيئاً حتى يصل مرحلة التعامل مع حقيقة وجوده وتدوين عذاباتهِ المبكرة: «لوح آشوري/ الآن/ يشبه ظهري لوحاً آشورياً/ يؤلمه الخطُّ المسماري/ تاريخٌ كاملٌ يعبر عذاباتي». لا يستطيع الشاعر فصل حاضرهِ عن ماضيهِ. صراخهُ هو امتداد لصراخ الأسلاف منذ ارتطامهم بالأرض أو طردهم من جنة السماء. يتلقى المفاهيم الدينية وأفكاره عن الحياة بما يملي عليهِ إدراكه المبكر للعبة التاريخ والدين. يدور في فلكهما منذ بداية الديوان حتى آخرهِ بحثاً عن الأسئلة لا الأجوبة: «أنا لا زال يدوّي في قلبي صوت ارتطامنا بالأرض/ أسمع بكاء الأسلاف/ ونحيب الأرض من سقوطنا». ورود كلمة أسلاف/ قيامة/ الموت/ الجنة/ الطوفان/ الأنبياء/ الشجرة/ التفاحة... بكثرة إنما هو دأب شاعر تفتق وعيهُ مبكراً على أسئلة كثيرة لن يجيب عليها أحد الأبوين. علاقة الشاعر بعائلته وتلك الحميمية التي يكتب بها عن أمهِ وتصوراتهِ عن حياتها تحيلنا مرة أخرى على تباين الطبيعة المجتمعية والموروث الثقافي، لتخرج النصوص غير متمردة عليها فحسب، بل مغادرة لكل أعرافها بكل لطف وتهذيب. حتى في الغزل، لم يبتعد المحسن عن فكرة الله وقصص الخلق بنصوص تتحدى مصدر الإلهام الإلهي: «يجلس كنحاتٍ يدقّقُ في كل الأشياء من حولهِ/ فيأخذ فكرة الشمس من جبينك/ وحين يراكِ وحيدة تبكين/ يفكر في خلق المطر».
جاءت بعض النصوص العاطفية كأنها «عذراء» مشبعة بالعاطفة والحب ولا شيء أكثر، في الملاحظة تحاشى الشاعر الخوض في تجارب وهمية. كمن يقول للآخر: هذه تجربتي بمخيلة شاسعة وبدون أوهام كبيرة.
تبقى «ورطة» التجارب المغايرة مثل تجربة المحسن هي توقع «الآخر» أن يكون عملهُ المقبل متجاوزاً التوقعات.