راودتني فكرة إصدار هذا الكتاب بعدما تراكمت في مجموعتي الخاصة صور غير معروفة سابقاً جرى التقاطها في بيروت منذ مطلع خمسينيات القرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من القرن العشرين. خلال تلك المرحلة، حدثت تطورات جذرية في المدينة على كافة الأصعدة. لذلك رأيت ضرورة نشر ما توافر لدي من وثائق مرئية بواسطة التصوير الشمسي بهدف القاء مزيد من الأضواء على تطور المدينة العمراني.


وعلى الرغم من أنّ معظم المصورين المحترفين كانوا قد التقطوا صورهم في بيروت من زوايا شبه متقاربة، إلا أنّ ما نشرته في هذا العمل يختلف بعض الشيء عما سبق أن نُشر. وهذا، باعتقادي، ما يتكامل مع العمل الأكاديمي الرائع الذي أصدره بالفرنسية الراحل فؤاد دباس تحت عنوان «مصورون في بيروت 1840 ـ 1918» (باريس 2001).
وقد استعنت ببعض الصور من مجموعة الدباس بهدف إغناء هذا العمل، كما تعمدت نشر الصور الفوتوغرافية فقط وتجاهلت استعمال البطاقات البريدية.


تمثل صور النساء
العاريات أو شبه العاريات نموذجاً صارخاً للرؤية الاستشراقية إلى المرأة
في بلادنا

رأيت أنّ نشر هذه الصور لا بد من أن يرافقه تقييم لها وتحليل لبنيتها، والظروف التي التقطت فيها. لذلك قمت بشرح مختصر للإطار التاريخي والاقتصادي الذي انتجت من خلاله. وعلى هذا الأساس، قسّمت الكتاب الى ثلاثة أقسام هي التالية:
القسم الأول هو عبارة عن معلومات مكثفة عن مدينة بيروت منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى بدء الحرب العالمية الأولى، حين دخلت المدينة في مرحلة مختلفة تماماً عما سبق. في خلال تلك الفترة، تشكل النسيج العمراني لبيروت التي تحولت من بلدة صغيرة في مطلع القرن التاسع عشر الى مدينة ضخمة في مطلع القرن العشرين قُدِّر عدد سكانها بحوالي مئة ألف ونيف، والى المرفأ الأكثر نشاطاً وحيوية على الصعيدين الاقتصادي والتجاري، والمركز التعليمي الأول في سورية.
اعتمدت في توثيق هذا القسم على بعض الصحف الصادرة في بيروت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إضافة الى مصادر وتقارير فرنسية وبريطانية وأعمال أكاديمية مختلفة.
وباعتقادي أنّ هذا القسم يضع القارئ في جو تطور المدينة العمراني والاقتصادي واتساعها، وهو الأمر الذي دفع بالعديد من المصورين الأجانب الى الإقامة فيها والعمل على إنتاج كمية ضخمة من الصور الفوتوغرافية لسورية ومصر واسطنبول واليونان بحيث فاق الانتاج البيروتي من حيث الكمية انتاج أي مدينة أخرى في سورية.
أما القسم الثاني فهو عبارة عن تقييم وتحليل لمضمون الصور المنتجة وبنيتها، التي كان القسم الأكبر منها موجهاً لاستهلاك السوق الأوروبية والأميركية، وبالتالي كان مرتبطاً بمتطلبات تلك السوق. أضفت الى هذا القسم مجموعة من صور النساء العاريات أو شبه العاريات وقد التقطت في استديوهات بيروت بهدف التسويق والتشويق للزبائن الأجانب.

لقد تم بنجاح تدمير النسيج العمراني المتناسق للمدينة بشكل شبه كامل
وتمثل هذه الصور نموذجاً صارخاً للرؤية الاستشراقية إلى المرأة في بلادنا، وبالتالي تؤكد صحة التحليل الذي أشرت إليه في الفصل الثاني وواقعيته.
ضم القسم الثالث والأخير مجموعة صور مختارة التقط معظمها المصورون الأجانب سواء كانوا هواة أو محترفين، كما التقط بعضها مصورون محليون. وقد عمدت الى تحديد تواريخ الصور على وجه تقريبي.
تقدم لنا الصور الملتقطة ما بين 1840 ـ 1915 رؤية وملامح لما كانت عليه المدينة، وإذا أمعنّا النظر الآن في هذه الصور، يتبين لنا بشكل جازم أن بيروت الأمس انتهت ولا علاقة لها بما هي عليه اليوم. لقد تم بنجاح تدمير النسيج العمراني المتناسق للمدينة بشكل شبه كامل، وشيدت على أنقاضه، بسواعد العمّال الفقراء، مدينة لا علاقة لها بما كانت عليه بيروت، سابقاً.


* صيف 2014 مقدّمة كتاب «بيروت ـــ ضوء على ورق: 1850 ـــ 1915» (دار كتب للنشر ـ الطبعة الأولى ــ بيروت 2014)