فيما بعض القنوات المحلية مشغولة حالياً بتتبع أخبار وتصريحات السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري، لمختلف وسائل الإعلام، وتحديداً السعودية منها، بخصوص قضية بث تلفزيون لبنان مقابلة السيد حسن نصر الله، نقلاً عن «الإخبارية السورية»، يجول وزير الإعلام اللبناني رمزي جريج ويصول على وسائل إعلام سعودية، آخرها صحيفة «الوطن»، لتبرير ما حدث.


ينشر التهديد والوعيد بحق «المرتكبين والمتواطئين على تنفيذها». في الحديث الذي نشر أمس، وصف جريج ما بثه التلفزيون الرسمي بـ «المهزلة»، وما لبث أن كرر «مكرمات» المملكة على لبنان، وخصوصاً الـ 4 مليارات دولار دعماً للجيش. رفع جريج السقف أكثر عندما قال للصحيفة السعودية إنه «لن يتهاون مع التجاوزات الإعلامية التي تنال من رؤساء دول صديقة». إذاً بعد اعتذار جريج من السعودية رسمياً، يجول أو تجول الصحف والوسائل الإعلام السعودية عليه ليتحفنا بما لم يقله يوماً بحق مخالفات جسيمة إعلامية هددت السلم الأهلي وقتها في لبنان.
مسلسل الاعتذرات مستمر، فمن الوزارة الى برنامج «بموضوعية» الذي بث أول من أمس على mtv. هنا، قدم وليد عبود اعتذراً الى السعودية لما حدث في حلقة الأسبوع الماضي من مشادة كلامية بين مساعد رئيس التحرير في صحيفة «الحياة « جميل الذيابي، والصحافي غسان جواد، علماً أن الأخير اعتذر بعد هذا الجدل والصراخ بين الطرفين، من الشعب السعودي إذا فُهم كلامه هجوماً أو عنصرية ضده.


مقال سلمان الدوسري نمّ عن جهل وتعصّب ولعب على الفتنة


مشهدية هزلية في تقديم فروض الطاعة وتكرار التبريرات للمملكة على مدى اليومين الماضيين. وبالفعل، سجّل جريج سابقة في تاريخ الإعلام اللبناني، عبر تقديمه اعتذارا على بث مقابلة تلفزيونية لسفير دولة عربية ليس لها أي حق في التدخل بالشؤون الداخلية الخاصة. أما قمة الوقاحة، فكانت خروج رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» سلمان الدوسري في مقال بعنوان «لبنان.. لا يكفي الاعتذار»، وكما حاول السفير السعودي في بيروت ممارسة استعلائية وتحقيرية ووصاية مباشرة على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الإعلامية، هكذا فعل الدوسري، الذي حمّل القناة من جديد «مسؤولية» البث، وقال إنها شاركت في «حملة الشتائم والهجوم غير المسبوق» على السعودية. وكمن يوعز من منصب رفيع الى من هم أقل رتبة منه، انتقد الدوسري بث المقابلة كاملة «من دون تدخل من مسؤول لبناني واحد». واستنتج فوراً أنّ «هناك رسالة سياسية لا إعلامية، وجهتها الحكومة اللبنانية إلى السعودية تحت الحزام». سياق المقال بأكمله يشي بمرارة فعلية عاشها الدوسري لقاء ما فعلته الحكومة اللبنانية، أو بالأحرى ما قالته، لأنه يضع كل ما حدث ضمن تقاعس هذه الحكومة عن معالجة هذه القضية.
ويبدو أن صولات وجولات جريج على الإعلام السعودي لم تكف الدوسري، الذي نعت اعتذاره بـ «العابر» و«البارد» الذي «لا يسمن ولا يغني من جوع».
وكما فعل جريج بالتذكير دوماً بمنّة السعودية المالية على اللبنانيين، كرر الدوسري في مقاله «أفضال المملكة السياسية والاقتصادية التي تصب في مصلحة لبنان».
وطيلة سرده في المقال، اقحم الدوسري كالعادة الشأن الإيراني الذي برأيه «يسيطر على مفاصل الدولة». وفي هذا السياق، قسّم اللبنانيين الى فئتين: فئة سماها ”الفرس اللبنانيين»، الذين «يشنون حملة غير مسبوقة على السعودية ودول الخليج»، و»العرب اللبنانيين» الذين «لم تخترقهم إيران».
وراح يفصّل الفئة الثانية التي تتألف من طوائف مختلفة من سنة وشيعة ودروز ومسيحيين، لكنه أسف أنهم في تناقض بعدما «نحجت إيران في تصدير ثورتها اليهم»، ولن يستطيعوا إيقاف هذا «المدّ الفارسي» الى لبنان! هكذا، أتحفتنا جواهر الدوسري التي لا تنم سوى عن جهل وتعصّب ولعب على الفتنة بين اللبنانيين، عبر تقسيمهم والنظر إليهم من منظار الدوسري الضارب في غرائزه المذهبية.