دمشق | بعد غياب ثلاثة أعوام، عادت سلافة معمار للوقوف أمام الكاميرا في دمشق. عودةٌ منتظرة، أعلنت خلالها شركة «سما الفن» رسمياً يوم الخميس الماضي إطلاق تصوير عملها الجديد «العرّاب» المقتبس عن رواية ماريو بوز الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه (60 حلقة/ جزآن، سيناريو وحوار حازم سليمان، وإخراج المثنى صبح).


الأجواء في «بيت العطّار»، أحد مواقع تصوير الدراما السوريّة المعروفة في حي «العفيف» الدمشقي؛ يطغى عليها الهدوء والتأني. لا بأس من إعادة المشهد مراراً، حتى يُعلن المثنى صبح رضاه، قبل الانتقال إلى المشهد التالي. هكذا تسير الأمور، بعد أشهرٍ طويلةٍ من التحضيرات، لمشروعٍ آمن به صبح، واشتغل مع «الكاتب والشركة المنتجة لتهيئة أفضل الظروف له»، وفق ما يقول مخرج «في ظروف غامضة» لـ«الأخبار». ويضيف: «المشوار بدأ للتو، وما زال طويلاً، وقد يمتد لستّة أشهر، لإنجاز العمل بجزءيه (الأوّل يُعرض خلال رمضان، والثاني لاحقاً)، إذ سيتم التصوير من دون توقف بين دمشق وطرطوس، وأبوظبي، ولبنان، وربمّا في إحدى الدول الأوروبية».
ويتوقّع صبح متاعب قد تصادفه مع فريقه لدى انتقاله للتصوير خارج سوريا، واختباره لظروف عمل قد تبدو جديدة عليه: «أصبحت الإمارات ولبنان موقعي تصوير كبيرين، يحتضنان أعمالاً عربيةً ضخمة». الأمر بالنسبة إليه اختلف منذ تصويره مشاهد من «جلسات نسائية» في هذين البلدين عام 2011، لكنّه يشير في المقابل إلى نجاح الفريق نفسه في مواجهة ظروف التصوير الصعبة داخل البلاد خلال السنوات الأخيرة.
أما في ما يخصّ مضمون عمله الجديد، والجدل المثار حول اقتباسه من إحدى أشهر الروايات العالمية التي خلدّها فرانسيس كوبولا في ثلاثية سينمائية شهيرة، يُوضح مخرج «ليس سراباً» باقتضاب أنّه «اقتبسنا من الرواية، ما يمكن تقديمه في عمل تلفزيوني عربي، يُحقق المتعة والتسلية للمشاهد، وبلغة تلفزيونية معاصرة، بعيداً من أي إسقاطاتٍ سياسية».
يروي العمل سيرة حياة وكفاح طويلة لشابٍ فقير اسمه «مختار المختار» تربّى على رغبته بـ «الثأر لعائلته التي أبادها الأعداء نتيجة خلاف مع أبيه حول معصرة زيت. هكذا، يبني الإبن المسكون بهاجس الانتقام امبراطورية ضخمة من المال والسلطة، تخفي وراءها ألغازاً كثيرة. ويتمتّع صاحبها بشخصيةٍ ذات كاريزما طاغية، تحمل تناقضاتٍ كثيرة، جامعةً بين الرقّة والجبروت.


تدور الأحداث بين
أواخر خمسينيات القرن الماضي، ومطلع الألفية الجديدة
لكنّها تخوض معاركها، بشرف، وتنأى بنفسها عن التجارات القذرة». ويعرض السيناريو الأحداث بخطوطها المتشابكة درامياً وزمنياً، بالتوازي بين أواخر خمسينيات القرن الماضي، ومطلع الألفية الجديدة حتى عام 2010، حيث يشهد «العرّاب» محنته الكبرى نتيجة التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، ما يفرض عليه اختيار تسليم الراية لأبنائه الذكور الذين يمثل كلٌ منهم جانباً من شخصيته. ويؤدي أدوار الأبناء الممثلون عابد فهد، وعبد المنعم عمايري، وقصي خولي، بينما تؤدي دور الزوجة ضحى الدبس، وتظهر الممثلتان صفاء سلطان وغفران خضور كابنتيه.
التصوير في دمشق لن يطول لأكثر من عشرة أيام، افتتحتها سلافة معمار بدور «تالا»، وجمعت المشاهد الأولى بينها وبين طليقها سيف الدين السبيعي (ممثلاً للمرّة الأولى أمام كاميرا صبح) الذي يؤدي دور المحقق «سالم»، ويكون إلى جانبه مساعده (الممثل مؤيد الخراّط)، بينما يجسّد أيمن بهنسي شخصيّة والدها.
في حديثها لـ«الأخبار»، أعربت معمار عن اشتياقها للتصوير في الشام، حيث تعيش «حالة من الحنين لكل شيءٍ هنا، الشوارع، والناس، وحتى الأماكن التي اعتدنا أن نصوّر فيها، ولقاء الأصدقاء الذين لم اجتمع بهم منذ زمن».
النجمة السوريّة أحبّت بساطة شخصية «تالا»، فهي امرأة «ذكيّة، وشبه مستقلة، وتلخص حكاية الأنثى العاشقة التي يصعب أن تتجاوز حبّاً كبيراً في داخلها لشخصٍ ينتمي إلى عالمٍ مختلفٍ عن عالمها تماماً (وهو أصغر أبناء العرّاب ويؤدي دوره قصي خولي). تتمسك هذه المرأة بحبّها رغم إحساسها بالغبن تجاه ظروف اختفائه، وتعيش صراعاً مع ذاتها، لتبدأ حياتها من جديد». لكن ألا تخش معمار من هامش المغامرة عبر المشاركة في عملٍ قد يثير الكثير من الجدل لجهة اقتباس أحداثه عن روايةِ شهيرة، والمقارنات المحتملة مع نسختها السينمائية العالمية؟ «أنا قرأت النص بمعزلٍ عن الفيلم أو الرواية، وتركّز تفكيري حول دوري وكيفية تأديته، بعيداً عن الجدلية التي يمكن حدوثها لاحقاً. بالتأكيد، قد تبدو مسألة المقارنة خطرة في ذهن المشاهد، لكنّني أرى أنّه ينبغي التعامل مع القصة التي يطرحها العمل وشخصيّاته كما هي، أي كعمل مستوحى من الرواية الأصلية، لكنّه في النهاية ليس متطابقاً معها».
في الإطار نفسه، يرى سيف الدين السبيعي أنّ الاقتباس وإعادة تقديم الرواية الشهيرة برؤية جديدة «فكرة جميلة. مثلاً، تم اقتباس مئات الأعمال والأفلام عن مسرحية «هاملت» الشكسبيرية الشهيرة، قدّم فيها صنّاعها تفسيراتهم الخاصة». ويلفت إلى جرأة المثنى صبح «في دخول هذا العالم الجميل والمشوّق» مبدياً إعجابه بالنص الذي أتاح له الوقوف ممثلاً أمام صبح كمخرج تجمعه به سنوات طويلة من الصداقة. علماً بأنّ الثنائي بدآ معاً مسيرتهما المهنية خلال المرحلة نفسها، منذ كانا مخرجَيْن منفذَيْن.
يضم «العرّاب» على قائمة أبطاله أيضاً نسرين طافش، ويشارك فيه ممثلون كثر آخرون، بينهم سليم صبري، ومحمد حداقي، وفادي صبيح، وخالد القيش، وسامر إسماعيل، وناظلي الرواس، وكنده حنا، وغفران خضور، ومن لبنان: رفيق علي أحمد.