القاهرة | ما الذي يمكن أن يفعله الارتجال في الموسيقى؟ فكّر قليلاً لو أطلقت حصان الخيال فوق حواجز المألوف؟ في مشروع موسيقي مشترك بين رامي أبادير (1982) ومصطفى السيد بعنوان «شواكيش» (تسجيلات «استوديو جنوب» ـ 2015) تأخذ الموسيقى الالكترونية مسارات جديدة، حيث المزج بين انتظام الشكل الموسيقي والحفاظ على الروح الارتجالية والعزف الحي. منذ مقدمة الألبوم (مقدمة رستم) تبدأ بالدخول إلى عالم غرائبي لا يفصح عن مكنوناته بسهولة.


لكن الموسيقى تنساب وتتدفق في حلقات متواصلة بين الحماس والشجن والقلق من كل ما هو آتٍ. عالم رامي الفني متداخل ومتكامل مع عناصره، فالقلق والتوتر الذي يشحن جمله الموسيقية يشبه إلى حدٍ كبير مجموعته القصصية «أرق متقطع» (دار العين ـ 2011) التي تعاون فيها مع أحمد رزق الله. تنويعات موسيقية صافية تتواتر بين الأشياء ونقيضها، بين الحلم والكابوس، الأمل والسوداوية، الحنين والملل. في عالم الموسيقى، لا أشياء مؤكدة، فالموسيقى أشبه برجل المفاجآت. كل ما عليك فعله أن تنتظر ما سيحمله لك. في تراك «100 قطة»، تتحول الموسيقى إلى ما يشبه الميتافيزيقا، كائنات تتدافع من عالم آخر كأن تأتي قطةٌ من هنا وأخرى من هناك.
بدأ أبادير كعازف غيتار قبل أن يتغيّر مساره نحو الموسيقى الإلكترونية. لعبت موسيقى الروك دوراً بارزاً في مسيرته. أما السيد، فكان للروك التقدمي Progressive rock، وأعمال «بينك فلويد» تأثير كبير على انعطافته الفنية. ورغم أن موسيقى الألبوم تتخذ مساراً إلكترونياً، إلا أنها تلقي ظلالاً على الموروث الشعبي وجذور الحياة المصرية من خلال أسماء مقطوعات محددة مثل «يا ندامة»، «خُبّيزة»، «رستم». في مقطوعة «خُبّيزة»، تبدو الحالة العامة أشبه بمزيج حسي بين موسيقى الإنشاد الصوفي التي ترتقي نحو عوالم أخرى، وموسيقى أصوات الطبيعة. قد تجد نباح كلب أو عواء ذئب في ركنٍ ما، بينما الغموض يكتنف الحالة العامة. وفي مقطوعة «شواكيش»، لا يختلف الأمر كثيراً، فالثيمة الموسيقية تشبه مشهداً لآيل مجروح تتناثر دماؤه فوق الثلج. موسيقى تطاردك في كل زاوية وآيائل تصرخ خلفك كأنها هاربة من الجحيم. في نهاية الأمر، يساورك شعورٌ بأن تلك الجمل الموسيقية تسدد لك لكماتٍ متتالية في وجهك.
هذا الشعور المتواتر بالأجواء الاسكندنافية في الموسيقى يوفر حالة من الغموض والسِحر معاً بداية من غلاف الألبوم الذي حمل موتيفاً لآيل مجروح الأنف حتى الموتيف الأخير لقرون هذا الآيل. يشير أبادير والسيد إلى أن اكتمال تلك التجربة كان مرهوناً بتسجيلها على مدار جلستين باستخدام الكيبورد وأجهزة الـ «سينثسايزر». ثماني مقطوعات نوّع فيها أبادير والسيد على ثيمات موسيقية حديثة، لكنها لا تنفصل بشكلٍ كلي عن الواقع المحيط. ضربات موسيقية متتالية في العمق بين النوتات التجريبية والعروض البصرية المبهرة. في هذا الألبوم، تشبه الموسيقى أسماكاً نزقة تشق صدر المستمع، تضعه في حالة جذب وتنافر بين قطبي لعبة النوستالجيا والحداثة. تلك النوستالجيا لعب عليها أبادير سابقاً في ألبومه «تسعيناتي» (2014)، حيث ثيمة الحنين وإعادة إنتاج مشاريع تسعينية، خصوصاً عند حميد الشاعري (الكابو) الذي أسس لموجة جديدة من الموسيقى في الوسط المصري عند نجوم تلك الفترة أمثال عمرو دياب، مصطفى قمر، هشام عباس، وسيمون. وقد تلخص مقطوعة «مأساة الكابو» في إشارتها إلى حميد تلك التجربة المميزة. هذا التناغم بين أبادير الذي يميل إلى الـDark Music وSoundscape والسيد الذي يميل إلى الـSolo Music والـMelodies، يوفر ربما حالة من التكامل تؤدي إلى تفاعل الجمهور مع هذا الارتجال والمسرحة غير المقصودة. بالرغم من ضغوط الحياة اليومية والصعبة، إلا أنّ الموسيقى الجديدة تثور وتزاحم تلك الضغوط في محاولة لفك طلاسم الحياة. فقد سبق إطلاق هذا الألبوم صدور ألبوم «بنحيي البغبغان» للفنان موريس لوقا (الأخبار 19/2/2015 ــ 23/12/2014) الذي مزج فيه بين موسيقى «السيكايدليك» والإلكترونية والمهرجانات الشعبية في تنويع على الثورة المصرية والواقع المخيف.