شعر الحلم، وشعر الصورة، يطبعان نتاجات الشاعر اللبناني شربل داغر المتوزعة على دور لبنانية وفرنسية ومصرية ومغربية وجزائرية. يرد داغر توّزع إصداراته الى خياره الشخصي، والى الظروف التي تحكمت بمروحة النشر الواسعة هذه، وكانت بدايتها في فرنسا. أمّا ما نُشر له من “مختارات” شعرية، فعائدة الى رغبة الناشرين أنفسهم، سواء في مصر أو سواها. في مجموعتي داغر الأخيرتين «لا يصل الكلام بل يسير» و«على طرف لساني» (دار “ميم” و”دار العين”)، حوت القصائد ما يُشبهُ قصة، أو حكمة، تخفتا في السطور، كما لو أنّ الشاعر يتحاشى الكلام المفتوح على لاغائيته. لكن داغر يؤكد أن دواوينه تحوي القصائد المفتوحة على منتهاها، الى القصائد التي تتوّسل السرد، ونبذات من السيرة الذاتية، وقصائد الحياة نفسها بتفاصيل العيش البسيط والمُرّكب. «شعري كثير، متنّوع الأشكال والأساليب والأحجام إن شئت. عندي القصيدة القصيرة التي لا تتعدّى السطر الواحد، وعندي تلك الطويلة التي تفوق الأربعين صفحة.


الموضوع الشعري هو الذي يتحّكم بالشكل. لا أتعامل مع القصيدة بالنثر (هكذا يُسمّيها داغر) إلا بوصفها شكلاً مفتوحاً، وإصراري على انفتاحه، هو تحوّلها عند بعض الشعراء، الى شكل ثابت وممتد، كما لو أنّهم يتجنبون استثمار حرية هذه القصيدة، وينصاعون بشكل أو بآخر الى عقلية عروضية ما زالت تتحكم بالكتابة الشعرية».


إعادة المعنى الخفي للكلمات وحيويتها الإبداعية

لا يسمّيها داغر كذلك، فـ «البعض أطلق عليها هذه التسمية. هذا رأيهم. كما أن بعض المسرحيين أبلغوني صعوبة نقلها الى خشبة المسرح أو مسرحتها. أنا أتعامل مع القصيدة بالنثر وأعوّل على مرونتها وقابليتها لاستيعاب واستثمار أشكال الفنون كافة. في القصيدة التي يراها البعض عندي مسرحية، فيها من المسرح، الأصوات فحسب. وتجدين في نصي الأطول “ترانزيت” الممتد الى مئتي صفحة، الأشكال الكتابية كافّة بما هي سرد ومحاورة مسرحية ومناجاة».
يسعى شربل داغر في قصيدته الى تحرير الروح، والبحث عن طاقات جديدة في الحلم، من خلال قطيعة، لا مع أشكال التعبير القديمة فحسب، بل أيضاً مع مجمل القيم المكتسبة وطرق التفكير. في قصائده، تلك الهذيانات الجنونية الضائعة ولو بدرجات متفاوتة، أو المهازل اللطيفة التي تُحيل الواقع على ما هو غير واقعي. قصائد تكمن قيمتها الأساسية في إثبات الاهتمام الذي يوليه داغر الى تقنية قصيدة النثر: «درجات سلم حجري/ للصعود أو للهبوط/من دون أن يصعد أو يهبط/ أحد/ غير هواء الراحلين الذين لا يحتاجونه».
ما يهّم التأكيد عليه في قراءة بعض نتاجات داغر، تلك الدعابة ـ كعنصر شعري ـ التي تجد مجالها الأكثر ملاءمة في نثره. هناك هذا المرح الفريد الذي يصعب إدراكه في الشعر المنظوم. وعند داغر تلك المحاولة لخلق لغة لاعقلانية تمّد دلالاتها والأحداث التي تعرضها الى زمن ذي أبعاد عدة. نجد أيضاً استخداماً لأحد الأساليب الأساسية في الشعر المعاصر وهو التفكيك وإعادة بناء الكلمات. من خلال هذه المعادلة، يسعى الشاعر الى إعادة المعنى الخفي للكلمات وحيويتها الإبداعية.