تشكّل السِير جزءاً أساسياً من الروايات الشعبية في بلاد الشام. تتناقلها الأجيال وتتوارثها مضيفةً عليها وحاذفةً منها بحسب الظروف الاجتماعية والسياسية السائدة. هي إذاً تحمل إرث البلاد الثقافي الشفهي، وتوثّق أحداثاً تاريخيةً مرّت على المدن وطبعت ناسها. وللسِيَر مكانتها الخاصة في المقاهي التي يرتادها الناس للاستماع إلى الحكواتي الذي يحتفظ بمخطوطات السِيَر القديمة، فيرويها بأسلوبه التشويقي الخاص عبر جلسات عدة.


ولسيرة الملك الظاهر بَيْبَرص (1223 – 1277)، أبرز ملوك الدولة المملوكية الذي حكم مصر وبلاد الشام وحارب غزوة الصليبيين والمغول عليها، قصصٌ تعظّمها الروايات الشعبية حتى يُقال بأنّ لكل مدينةٍ في بلاد الشام ومصر رواياتها الخاصة عنه. ومن الروايات المعروفة عنه، تلك المصريّة التي نُشِرت في أواخر القرن التاسع عشر مختصرةً السيرة الطويلة في كتابٍ واحدٍ حيث نُقّحت القصة واجتُزئ منها الكثير بهدف تلخيصها.
وفي الثمانينيات من القرن العشرين، بدأ مشروع تجميع مخطوطات هذه السيرة في بلاد الشام عن طريق المصادفة. التقى الباحث الفرنسي جورج بوهاس بشفيق الإمام مدير متحف التقاليد الشعبية في «قصر العظم» في دمشق. ساعد الإمام بوهاس للوصول الى مخطوطة حلبية، فنشرها الأخير باللغة الفرنسية لصعوبة نشرها يومها بالعربية المحكية في دمشق. نُشِرت هذه النسخة غير المكتملة والمؤلّفة من 36000 صفحة في عشرة كتب عبر «دار سندباد» الفرنسية، وبعدها عبر «دار آكت سود» (Actes Sud) حيث كان يُفترض نشر مئة كتاب لتغطية أحداثها.


تعاون جورج بوهاس وايّاس حسن لانجاز الجزء الـ 12

وفي التسعينيات من القرن العشرين، بدأ البحث مجدداً عن نسخة كاملة للسيرة بهدف نشرها باللغة العربية هذه المرة، وسط استغراب النقاد لوجود سيرة بهذه الأهمية في اللغة الفرنسية فقط. توصل بوهاس الى نسخة شامية كاملة واشتراها عبر «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» (ifpo) من حكواتي شاميّ اسمه «أبو أحمد»، وهي اليوم محفوظة في دمشق. ثم توصل الى نسختين شاميّتين أخريين، إحداها من «مقهى الحجاز» في دمشق، والثانية من حكواتي اسمه «أبو حاتم».
ومنذ عام 2000، أطلق المعهد مشروع «سيرة الملك الظاهر بَيْبَرص بحسب الرواية الشاميّة» فبدأ بنشر أجزاء السيرة في كتبٍ صدر عددها الـ 12 العام الماضي بينما يتم العمل حالياً على إصدار الجزء الثالث عشر.
في إنجاز الجزء الثاني عشر، تعاون الباحثان جورج بوهاس وايّاس حسن، فاستعانا بـ «حكواتي الشّام» رشيد الحلّاق (فارق الحياة في أيلول/ سبتمبر 2014) لفهم العبارات المحكيّة التي كانت تُستعمل في المدينة منذ أكثر من مئة عام. لنشر هذه السيرة أهمية كبيرة، فهي من ناحية توثّق مرحلة تاريخيّة عاشها العالم وبلاد الشام، هي مرحلة الحروب الصليبية. من ناحية أخرى، تقدّم الرواية الشاميّة للسيرة المرحلة المذكورة بعيونٍ شاميّة و»من وجهة نظر أزقّة الشام الشعبية» كما يصفها الباحث ايّاس حسن. هنا تكمن أهميّتها الكبرى. قراءة التاريخ والأحداث من خلال الروايات الشعبية يعطي للتاريخ نكهة الراوي ويُظهر مزاجه وشخصيّته.
يقول حسن: «لا يمكننا أن نصنّف السيرة كتراث محلّي فقط، فكون أحداث السيرة تحاكي مرحلة شهدها العالم أجمع، فإنّها تعتبر تراثاً كونياً للإنسانيّة». لذا يسعى المعهد لتقريب إصداراته من الناس وإدخالها في حياتهم اليوميّة.
«قال الرّاوي يا سادة يا كرام» إنّ سيرة الملك الظاهر بَيْبَرص بحسب الرواية الشامية كانت لها محطّة في أحد مقاهي بيروت. قبل أسبوعين، سرد شادي ابن أبو شادي رشيد الحلّاق، الملقّب بـ «حكواتي الشام»، قصصاً منها، وعرّف الناس بالملك الظاهر وجوان وشيحا وغيرهم من شخصيّات السيرة. يومها، تجمّع جمهور تجاوز المئة شخص في مقهى «ة مربوطة» في منطقة الحمرا في بيروت لحضور محاضرةٍ قدّمها ايّاس حسن وتناول فيها أهميّة سيرة الملك الظاهر وتفاصيل نشر الجزء الـ 12 منها عبر «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» في بيروت (أوقف نشاطاته في دمشق، موطن السيرة، تحت وطأة الظروف الحالية).
وبعد المحاضرة، دخل الحكواتي شادي الحلاق، مرتدياً زيّه الشامي التقليدي، فجلس على كرسي من خيزران وراح يروي مقطعاً من السيرة باللهجة الشامية، حاملًا ارث أبيه، «حكواتي الشام» الذي اشتهر بين 1990 و 2012 في مقهى «النوفرة» الواقع بالقرب من الجامع الأموي في دمشق. مقهى يبعد بضعة أمتارٍ فقط عن قبر بَيْبَرص في «المكتبة الظاهرية». استهلّ كلامه «عن الملك الظاهر والعلم الباهر والذيل الطاهر، من اشتهر بالعلم والدرس، الأصيل بالنعمة والغرس، محمود الخزرمي المكنّى بركن الدّين بَيْبَرص، ومن اشتهر بخدمته الافداوي ابراهيم سياج العذارى».
تماهى المقهى البيروتي مع المقهى الشامي حيث استمع الناس للحكواتي وتفاعلوا مع السيرة التي تتصاعد أحداثها، فختم الحكواتي الجلسة في لحظة ذروةٍ مشوّقة قائلاً: «وهُون يا سادة أودعنا الكلام».
لكنّ الحكواتي في بيروت لم يعد مألوفاً، والحكواتي الشامي يجد صعوبةً في ايجاد مقاهٍ آمنة تجمع ناس الحارات والأزقة وتروي لهم تاريخهم بطريقة محبّبة. فمتى يا سادة نستعيد الكلام؟