رجال، نساء ولقاء. ليلة ممطرة تحت سقف منزل لا تدفئة فيه. كثير من الخمر وجمعٌ صغير من الرجال والنساء يجلسون على الكنبة، إلى طاولة العشاء. يدخلون غرف المنزل ويفرغون عوالمهم بكل ما فيها من تناقضات وتعقيدات العلاقات الإنسانية: إنّها «الدعوة»، كوميديا اجتماعية من كتابة وإخراج وتمثيل مارسيل غصن يشاركه البطولة كل من ستيفاني عطالله، طوني كيروز، سيدرا عيد، ريشار أوديشو، سينتيا زيادة والياس زايك. من خلال هذا العمل، يعالج غصن زيف العلاقات، وتحديداً تلك التي تجمع امرأة برجل في مجتمعنا المهووس بالحفاظ على مظاهر ومعايير معيشية معينة تحتم افتعال السعادة الدائمة، وابتكار كم كبير من الكذب.


بنيت حبكة العرض على مجموعة من الأكاذيب التي تخفيها الشخصيات عن بعضها بعضاً: جيرار (مارسيل غصن) يخفي عن زوجته سابين (ٍستيفاني عطالله) أنه عاطل عن العمل. سابين التي دعت مجموعة من أصدقائها إلى العشاء، تخفي عن زوجها أنها أقامت علاقة عابرة مع طارق (طوني كيروز) منذ زمن. طارق ـ أول الواصلين ـ يخفي عن جيرار وسابين أن جيني، الفتاة الأميركية التي ادعى أنّها خطيبته ليست سوى بائعة هوى واسمها الحقيقي هو نهوند. أما ادوارد أو ايدي (ريشار أوديشو)، الفنان التشكيلي الآتي من باريس، فهو يظهر على الخشبة، يتفاعل مع باقي الشخصيات وينظّر عليها بأصول الإتيكيت ويتلقى العديد من الاتصالات من نساء، ويتهرب منهن بدافع أنه في باريس وبـ «ايدو بورتريه». أما ميشال (الياس زايك) آخر الواصلين مع خطيبته، فيخفي عنها أنّه زبون دائم لدى نهوند (سيدرا عيد).
اذاً هناك قصة مثيرة للاهتمام ومجموعة من الممثلين المقتدرين الذين كانوا يتحركون في إيقاع سريع وماراتوني على خشبةٍ أجاد المخرج استثمارها (خشبة «بيريت» التي تعتبر صغيرة الحجم نسبياً) مقدماً أو ملمّحاً لغرف عديدة من المنزل حيث تدور أحداث الدعوة (غرفة الجلوس، غرفة الطفل، المطبخ، غرفة النوم، مدخل الحمام، مدخل المنزل...).
مع ذلك، بدت حبكة القصة متعثرة وضاعت تفاصيل كثيرة لصالح مجانية إضحاك المشاهد: مارسيل غصن الكاتب الذي برع في كتابة حواريات ذكية والتقاط «قفشات كلامية»، وأحسن اختيار ممثليه، لم يتمكن من ربط عناصر حبكته بحيث تبلغ خواتيمها المرجوة.


حواريات ذكية و«قفشات
كلامية»، وإدارة موفقة للممثلين
أطال كثيراً في عرض وتقديم شخصياته للجمهور واحدة تلو الأخرى بحيث ضاع الوقت، بينما المشاهد يتفاعل مع مواقف تبرز طرفة كل شخصية. المشكلة أنه منذ اللحظة الأولى، قدّم مارسيل للمشاهد مفتاح ضحك كل شخصياته. كانت النصف الساعة الأولى من العرض ممتعة نسبياً ثم بدت كل المواقف متوقعة مع مَشاهد كان ممكناً اختصارها، ولكان ذلك وفر الكثير من الوقت، والأهم لكان خفّف من ماراتونية الإيقاع السريع المتأجج على امتداد العرض، كما لو أنّ الكوميديا ترتبط ارتباطاً لا فكاك منه بكثرة الحوارات وبالسرعة في الأداء وعرض المواقف. مَن قال إنّ الضحك لا يستطيع أن يمرّ عبر لحظات صامتة غير لفظية أو عبر إيقاع بطيء، ناهيك عن بعض الثغرات أو التناقضات في سياق القصة التي كان أكثرها حضوراً مثلاً التناقض الذي نراه في شخصية نهوند: في المشهد الثالث من العرض تقريباً، يقدم المخرج نهوند/ جيني التي لا تتقن من اللغة الإنكليزية سوى جملتين أو ثلاث. وحين يسألها جيرار عن نوع الهندسة التي تمارسها شركتها، تجيبه بكلمات غير مفهومة وبـ «سانك يو» (Thank you). وفي الشطر الأخير من العرض، نفاجأ بأنّ انكليزيتها طليقة، إلى درجة أنها تحدثت مع ادوارد طوال مشهد كامل ثم ما لبثت أن أعلنت أن طارق عرض عليها الزواج، وسوف يقام حفل زفاف كبير في نيويورك والى ما هنالك. أمر كان غير مبرر لا من ناحية الأداء ولا في سياق القصة. كما بدت بعض المواقف مفتعلة لصالح خلق المزيد من التعقيد وتأجيج الضحك الذي لم يخلُ من كليشيهات حان الوقت للتخلص منها أو لعرضها بشكل مغاير. مثلاً: لماذا يجب دائماً أن تكون المرأة البدينة كائناً متسلطاً على علاقة برجل ضعيف البنية والشخصية؟ هل يمكن أن تكون متسلطة بعيداً عن الصراخ؟
رغم كل هذا، يحسب للمخرج حسن اختياره وإدارته للممثلين الذين نسمع ببعضهم للمرة الأولى. كان أداء ستيفاني عطالله التي نراها على الخشبة للمرة الأولى مميزاً رغم تشنجها في البداية. كذلك الأمر بالنسبة إلى طوني كيروز، والياس زايك، وسيدرا عيد وسائر الممثلين. هناك أداء تراوح بين الجيد والمميز رغم ثغرات حبكة القصة. وتلك نقطة يسجلها مارسيل غصن لصالحه. كيف لا وهو يدير ورشة عمل للممثلين الهواة؟ ربما وجب عليه الاشتغال مجدداً على نصه المسرحي وتفكيك عناصره ليختار منها العنصر الأهم الذي يجب إبرازه في التصاعد الدرامي لحكايته: حينها، سوف تكون «دعوته» أكثر إمتاعاً.

* «الدعوة»: حتى 31 آذار (مارس) ــ «مسرح بيريت» (جامعة القديس يوسف) ـ للاستعلام: 01/218078