نال السينمائي المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو حصة الأسد في جوائز الأوسكار في دورتها الـ ٨٧ أول من أمس، فخطف فيلمه «بيردمان» الجائزتين الرئيسيتين: أفضل فيلم وأفضل إخراج، إضافة إلى جائزتي أفضل سيناريو (توقيع ايناريتو)، وأفضل تصوير تحت إدارة مواطنه إيمانويل لوببزكي مدير التصوير المكسيكي الشهير الذي كان قد أحرز الأوسكار ذاته العام الماضي عن فيلم Gravity للمخرج ألفونسو كوارون.


بهذا النجاح، يكرَّس ايناريتو في مصاف كبار صناع الفن السابع، رغم أنه سينمائي مقلّ. منذ اكتشافه ضمن «أسبوع النقاد» في «كان» عام ٢٠٠٠، لم يقدم سوى خمسة أفلام. في تلك السنة، حصدت باكورته «الحب كلب» جائزة النقاد، وألهب الفيلم الكروازيت إيذاناً بميلاد مخرج سيكون ذا شأن. وتأكدت موهبة إيناريتو وبصمته الاخراجية تباعاً في «21 غراماً» (أوسكار أفضل ممثل لشون بن، وسيزار أفضل فيلم أجنبي - ٢٠٠٣)، و«بابل» (٢٠٠٦)، وbiutiful (جائزة افضل ممثل لخافيير بارديم في «كان» - ٢٠١٠).
جمعت بين كل تلك الأفلام المصائر المتشابكة لأبطالها المسحوقين الذي يواجهون أوضاعاً تراجيدية بالغة القسوة. وإذا بالمعلم المكسيكي يطرح الدراما جانباً في جديده Birdman ليطرق باب الكوميديا السوداء، مصوّراً في قالب ساخر التمزق النفسي الذي يعانيه نجم سابق من نجوم أفلام الأبطال صانعي الخوارق الهوليوديين يصل إلى القمة ثم تتراجع شهرته تدريجاً إلى أن ينساه الجميع. وإذا به يحاول أن يعود إلى الواجهة لكن من خلال حبه الأول: المسرح.
يختار مسرح «برودواي» الجاد والمثقف. ولا يكتفي الفيلم بالسخرية من سطحية أفلام الحركة الهوليودية التي تسفه الذائقة الفنية، بل يلقي أيضاً نظرة نقدية لاذعة على الوسط المسرحي المتثاقف، ساخراً من نقاد «برودواي» الذين لا يمكن أن يجروا حواراً صحافياً ويدلوا بتعليق فني من دون الاستشهاد برولان بارت أو ميشال فوكو!

لحظة نضالية مؤثرة تمثلت في الحماسة التي رافقت منح أوسكار أفضل وثائقي لـ citizenfour
يكتسب الفيلم صدقية أكبر من خلال إسناد بطولته الى النجم الهوليودي مايكل كيتون، الذي سبق أن تقمص دور «باتمان» على الشاشة، ثم أفل نجمه تدريجاً، ولم يقدم أي عمل ذَا شأن منذ عقد. كانت عودة كيتون الموفقة في هذا الفيلم تستحق ـ بلا شك ـ أوسكار أفضل ممثل في دور رئيس. لكن مواطنه النجم إيدي ريدماين خطف منه الجائزة عن أدائه المبهر في دور عالم الرياضيات ستيفن هوكينغ في فيلم «نظرية عن كل شيء» للمخرج جيمس مارش. أما جائزة أفضل ممثل في دور ثانوي، فقد منحت للنجم جي. كي سايمونز عن أدائه المبهر في دور مدرس موسيقى بالغ القسوة في فيلم whiplash للمخرج داميان شازيل. وعادت جائزة أفضل ممثلة الى النجمة جوليان مور في دور امرأة تواجه مرض الزهايمر في فيلم Still Alice من إخراج ريتشارد غلاتزر ووش ويستمورلند. ويأتي هذا الأوسكار بعد أشهر على إحراز مور جائزة أفضل ممثلة في «مهرجان كان» عن دورها في فيلم «خرائط نحو النجوم» للكندي ديفيد كروننبرغ. وبذلك تكون مور ثاني ممثلة في تاريخ السينما، بعد الفرنسية جولييت بينوش، تنال جوائز التمثيل الخمس الأبرز عالمياً: الأوسكار والغولدن غلوب وجوائز أفضل تمثيل في مهرجانات «كان» و«برلين» و«البندقية».
جائزة افضل ممثلة في دور ثانوي استقطبت الأضواء هي الأخرى، إذ عادت الى الممثلة الأميركية باتريسيا أركيت التي غابت طويلاً عن الشاشة لتسجل عودة موقفة في فيلم Boyhood لريتشارد لينكلاتر. فيلم تجريبي اقرب الى «البيرفورمانس» منه إلى العمل السينمائي التقيلدي، اذ أخضع السينمائي الاميركي المشاكس أبطال Boyhood إلى رقابة كاميراه بشكل يومي على مدى ١٢ سنة. من خلال تقدمهم في العمر، حاول أن يرصد آثار الزمن الذي يمضي والأحلام التي تولد والمصائر التي تتشابك في خصمه. ليست هذه المرة الأولى التي ترصد فيها كاميرا لينكلاتر آثار الزمن الذي يمضي. في ثلاثيته «قبل الشروق» (١٩٩٥) «قبل المغيب» (٢٠٠٤) «قبل منتصف الليل» (٢٠١٣)، تابع ١٨ سنة في الحياة العاطفية لبطليه جولي ديلبي وايثن هوك، منذ أن تعرفا إلى بعضهما وهما طالبان شابان لغاية أزمة الأربعين التي يواجه هزاتها أي زوجين!
من الفقرات المميزة في أوسكار ٢٠١٥ فوز فيلم «فندق بودابست الكبير» لويس أندرسون بالجوائز التقنية الأربع الرئيسة (أفضل تصميم أزياء، وأفضل ماكياج وشعر، وأفضل موسيقى تصويرية أصلية، وأفضل تصميم إنتاج) فيما فاز فيلم The Imitation Game (لعبة المحاكاة ــ إخراج مورتين تيلدوم) بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، ونالت أغنية «جسر سلما» أوسكار أفضل أغنية. علماً أنّه تم تأليفها خصيصاً لفيلم آفا دوفيرني «سلما» الذي يستعيد المسيرة التاريخية لمارتن لوثر كينغ بين مدينتي «سلما» و»مونتغومري» للمطالبة بالمساواة في الحقوق المدنية بين البيض والسود. واستقبلت هذه الجائزة بحفاوة كبيرة من قبل الحاضرين، على خلفية الجدل الذي رافق الترشيحات للأوسكار هذه السنة، إذ طالبت جمعيات الدفاع عن الحقوق المدنية بمقاطعة الحفل بسبب غياب أي ممثلين أو سينمائيين سود هذه السنة من قائمة الترشيحات. وشهد الحفل لحظة نضالية أخرى مؤثرة تمثلت في الحماسة التي رافقت منح أوسكار افضل فيلم وثائقي لـ citizenfour الذي صورت من خلاله السينمائية لورا بواترا من الداخل قصة ادوارد سنودن الذي سرب ملايين الوثائق عن فضائح التجسس التي تقوم بها وكالة الأمن القومي الأميركي.
وخلافاً لما كان متوقعاً، أفلتت جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي من رائعة عبد الرحمن سيساكو «تمبكتو» التي كانت قد خطفت ٧ جوائز «سيزار» في فرنسا ليلة الجمعة. وذهب أوسكار الفيلم الأجنبي الى «إيدا» للبولندي باول بوليكوفسكي.
شريط مصوَّر بالأبيض والأسود، يضاف إلى عدد نادر من الأعمال المماثلة التي حازت الأوسكار، رغم إلغاء فئة أفلام الأبيض والاسود، منذ ستة عقود، من «دم بارد» لالفريد هيتشكوك (١٩٦٧) وصولاً الى «الفنان» (2011) لميشال هازانافيشيوس.