أول من أمس، رحل عرفات حجازي (1946 ـ 2015 ـ مواليد عيتا الجبل) بهدوء إثر ذبحة قلبية. الرجل الذي قال مرّة لأحد الزملاء بأنّ صوته يشبه «المطرقة»، انسحب تاركاً خلفه سنوات طويلة من التلفزيون والمتابعين والعشّاق لصوته الرخيم الممتلئ بأسلوبٍ باتت قلّة تمارسه حالياً.

اللغة العربية الصحيحة والمعلوماتٍ الوفيرةٍ والغزيرة والمعرفة جعلته لسنين رقماً صعباً في عالم الإعلاميين في جيله.
دخل حجازي الإعلام عبر بوابات العلم، هو الذي يحمل إجازة في العلوم السياسية من الجامعة اللبنانية وإجازة في الفلسفة وعلم الاجتماع من «جامعة بيروت العربية».

انتقل من تدريس اللغة العربية الى عالم «الشاشة الفضية»، فبدأ أوائل السبعينيات كمحرر في «تلفزيون لبنان»، ثم أصبح رئيس قسم الأخبار فيه. يومها، كان لـ «تلفزيون لبنان» وقعه ورنّته وتأثيره ومتابعوه. وكان الرجل رقماً صعباً وعلماً مهماً في عالم الخبر والأخبار، قبل الهواتف الخليوية وخدمات الخبر العاجل. حينها، كان اللبنانيون بجميع أطيافهم وألوانهم المذهبية والطائفية يتحلّقون حول شاشات التلفزة مستمعين لما سيقوله الرجل صاحب الصوت النفاذ.
كان يرسم شكل أيام اللبنانيين، فهل ستكون «صاخبةً» أم «هادئة»؟ شأنه شأن فيروز والرحابنة، كان واحداً من الثوابت التي جمعت أطراف لبنان ووحّدتهم، فاستحق وسام الاستحقاق اللبناني من رتبة ضابط. تراجع «تلفزيون لبنان» القسري أدى إلى ابتعاد حجازي عن الأضواء، ورغبته ربما في دخول تحديات جديدةٍ أخرى جعلته لا يبتعد عن الإعلام بل عن الشاشة قليلاً.

كان رقماً صعباً في جيله بفضل لغته العربية الصحيحة ومعلوماته الغزيرة

عمل في مجموعة من الصحف اللبنانية، ووكالات الأنباء إلى جانب عمله التلفزيوني والإذاعي، وتولى مسؤوليات قيادية فيها. كما عمل في تلفزيون a.n.b بعد تركه العمل كمستشار لرئيس مجلس النواب. ثم أسس موقع «الانتشار» الإلكتروني، وأصدر أبحاثاً ومؤلفات ومحاضرات عدة، وشارك في ندوات محلية وعربية ودولية. وانتخب عام 1992 أفضل مذيع عربي في استفتاء أجرته شركة «داتا».
ولأنه كان إعلامياً فاعلاً بطبعه، كان وداعه بالطريقة المدهشة الفاعلة نفسها. آخر تغريدةٍ له على حسابه على تويتر كانت «أستأذنكم بالمغادرة... فجر الغد سأطير إلى طنجة في المغرب العربي للمشاركة في اجتماع الأمانة العامة والمكتب الدائم لاتحاد الصحافيين العرب، اذكرونا في دعائكم».
تبدو الرسالة وادعةً للغاية، كما لو أنه كان يعرف أنه سيرحل بعيداً وحتى استعماله لتعبير «اذكرونا في دعائكم». ها هو علمٌ جديدٌ من لبنان يرحل بصمت. شيءٌ من الذاكرة الجميلة ينطفئ، طاوياً حقبة كان فيها الإعلامي رصيناً يحترم مهنته ومشاهديه وقراءه.
ورغم أنّ كثيرين يتذكرون الرجل، إلا أن قلة منهم تستذكر الحالة والرحلة كلّها التي خاضها هذا الإعلامي بصعوباتها، وأفراحها وأتراحها.
ينسحب عرفات حجازي سادلاً الستار على مرحلة في عمر الإعلام اللبناني الذي عايشه أيام وحدته وقبل انقساماته وبعدها. نقابة «محرّري الصحافة» التي كان حجازي عضواً فيها منذ 36 عاماً وتولى أمانة صندوقها منذ ثلاث سنوات، نعت الإعلامي الذي ووري أمس ثرى بلدته عيتا الجبل.