تونس | للمرة الأولى في تاريخ تونس، يتعرض النصب التذكاري لرائد تحرير المرأة الطاهر الحداد ( ١٨٩٩-١٩٣٥) الى التحطيم منذ وضعه في مدينته الحامة (جنوب تونس من محافظة قابس). هذه الحادثة المؤسفة التي وقعت أمس الأحد، مثلت جريمة رمزية استهدفت أحد رواد الإصلاح والتحديث وتحرير المرأة في تونس. كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" (الصادر سنة١٩٣٠) مثل آنذاك ثورة تصدت لها المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة في «جامع الزيتونة». وتم تكفير الحداد و"إخراجه من ملة الاسلام" ومنعه من العمل كوكيل للمحاكم الشرعية (محام). وتعرض لحملة صحافية غير مسبوقة بسبب أفكاره التنويرية التي تدعو إلى تمكين المرأة من التعليم والعمل وحقها في الزواج ممن تحب ورفع الوصاية عنها. وبسبب أفكاره، عانى الحداد التشرد والبؤس والفقر ومات وحيداً منبوذاً، ولم يشيعه إلى المقبرة إلا عدد قليل من أصدقائه الذين تضامنوا معه ضد الحملة الشرسة التي استهدفته.

ولم ينل الحداد الشاعر والصحافي والنقابي والمناضل السياسي الوطني حظه من الاهتمام إلا بعد استقلال تونس سنة ١٩٥٦، فكان صدور مجلة الأحوال الشخصية التي حررت المرأة، تتويجاً لنضاله من أجل حريتها.

وخلال عقد الستينات، تم إنجاز نصب تذكاري في وسط مدينة الحامة مسقط رأسه تقديراً لجهوده في تحرير المرأة وتحرير البلاد ودفاعه عن العمال من خلال كتابه "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية" الصادر سنة ١٩٢٧، وكذلك مساهمته في تأسيس «جامعة عموم العملة التونسيين» التي كانت أول تنظيم نقابي في تونس أسسه الحداد مع ابن بلدته الحامة الزعيم محمد علي الحامي سنة ١٩٢٤. كما كان من مؤسسي الحزب الحر الدستوري سنة ١٩٢٠ مع الزعيم الإصلاحي عبدالعزيز الثعالبي، وكان أول ناطق رسمي لهذا الحزب الذي كان أول حزب تونسي يظهر بعد الاستعمار الفرنسي عام ١٩٨١.
الاعتداء على النصب التذكاري لرائد تحرير المرأة كان صدمة للقوى الديمقراطية والحقوقية، خصوصاً أنّه تم في ثاني يوم من تولي الحكومة الجديدة التي يقودها «حزب نداء تونس» الحكم. وهذا الحزب جعل الطاهر الحداد مع الزعيم الحبيب بورقيبة مراجع أساسية في أدبياته السياسية. كما رفع شعار المحافظة على مكاسب المرأة التونسية التي كان منظّرها الأساسي الطاهر الحداد. وواضح من خلال هذا الاعتداء الذي أدانته الحركة النسوية والديمقراطية أمس أنّ المتشددين أرادوا أن يوجهوا رسالة الى الحكومة الجديدة والى الرئيس الباجي قائد السبسي مفادها "أننا هنا" قادرون على ضرب مكاسب الدولة والمجتمع. وتحدى الناشطون حركة «النهضة» الإسلامية بأن تصدر بياناً تدين فيه هذا الاعتداء الذي وقع في مدينة تحظى فيها بأغلبية سياسية كما ينحدر منها زعيمها راشد الغنوشي. وستكون هذه الجريمة إحراجاً كبيراً لحركة «النهضة» التي تدّعي الإيمان بحرية المرأة والدفاع عن مكاسبها.