تونس | «القرط» أو «جمل بروطة» هو الشريط التسجيلي الثاني للسينمائي الشاب حمزة العوني الذي انطلقت عروضه في الصالات التونسية أخيراً. شريط موجع ومؤلم وبذيء بذاءة الواقع الذي يعيشه الشباب التونسي الذي كان يحلم بجني ثمار الثورة فسرقها الانتهازيون والحكام الجدد. يكشف الشريط (٨٧ دقيقة) واقع الشباب التونسي بين زمنين: زمن بن علي وزمن الحكام الجدد، إذ امتد التصوير من عام ٢٠٠٧ الى ٢٠١٢. استعمل العوني آلة تصوير محمولة ليرصد يوميات الشابين خيري ومحمد، والشاب الثالث عبد القادر الذي يحضر حيناً ويغيب أحياناً. من خلال الشبان الثلاثة، نرى واقع الشباب التونسي في منطقة ذات كثافة سكنية عالية وهي «المحمدية» ذات الحقول الخلابة التي اختارها ملك تونس مصطفى باي لبناء قصر بديع، لكنه توفي قبل أن تنتهي الأشغال. واصل عملية البناء أحمد باي الذي أراده على النسق المعماري لقصر فرساي الذي اكتشفه في زيارته إلى فرنسا عام ١٨٤٦. من خلال الشريط، نكتشف كيف تحوّل القصر الذي يعد أحد المعالم التاريخية زمن حكم الحسينيين عام ١٧٠٥ وانتهى بإعلان الجمهورية عام ١٩٥٧، الى بناية مهجورة يلجأ إليها العاطلون على العمل حيث يشربون الخمر الرديء ويدخنون «الزطلة» (نوع من المخدرات) ويمارسون الجنس مع العابرات.


انه شريط موجع، كتب الواقع كما هو بلا مساحيق وبلغة بذيئة، لم يترك كلمة نابية في قاموس اللهجة التونسية الشعبية لم يستعملها للتعبير عن حنق الشباب التونسي على بلاده في العهدين. لم يمنحاهم شيئاً الا البطالة والاحتقار والتهميش ليصبح الحلم الوحيد هو الهروب إلى ايطاليا عبر زوارق الموت المعروفة بـ «الحرقة». إذ يلتهم البحر كل شهر منذ سنوات عشرات الشبان ضحايا أوهام الهجرة والجنة الأوروبية. يحفل الشريط أيضاً ببعض الكلمات الإيطالية.

يرصد العمل خيبة الشباب التونسي من الواقع رغم الانتفاضة
خيري ومحمد يعملان في تجارة «القرط» (علف الحيوانات) ويقضيان اليوم في حجرة شاحنة كبيرة لبيع علف الحيوانات بين المدن والقرى مقابل أجر زهيد لا يتجاوز ٩ دولارات. في الليل، يلتقيان مع أبناء الحي في القصر الحسيني لشرب الخمر الرديء، وتدخين الزطلة ورثاء حياتهم التافهة. فهم يدورون في المكان نفسه بلا أمل ولا طموح، فعبد القادر أصابته رصاصة خلال الثورة، فأصبح يعيش بساق واحدة وخيري في لحظة سكر يسكب البنزين على جسده، فيحترق لينهي حياته مشوّهاً.
إنّها المرارة الكاملة التي تفوح من هذا الشريط التسجيلي البديع. واقع الاحباط ومرارة الخسران وفقدان الأمل التي تلتهم حياة الشباب التونسي (٦٠٠ الف خريج جامعة عاطل عن العمل) لم تترك مجالاً لجميل الكلام. إنّها بذاءة الواقع وقسوته اللتان نجح حمزة العوني في التقاطهما من خلال ثلاث شخصيات بدا واضحاً أنّه اختارها عن قصد وبعد دراسة عميقة. لذلك، لم تكن صدفة أن يحصل الشريط على «التانيت البرونزي» خلال مهرجان «أيام قرطاج السينمائية» الأخيرة عام 2014.