أعلنت الدولة اللبنانية الحداد ثلاثة أيام على رحيل الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الذي توفي نهار الجمعة الماضي. فترة تزامنت مع خوض الجيش معارك في جرود رأس بعلبك ضدّ «جبهة النصرة» وسقط في صفوفه شهداء، وسبق ذلك سقوط شهداء من «حزب الله» في اعتداء القنيطرة. خلطة أحداث فرضت إعادة رسم الخريطة الإعلامية المحلية في التعاطي معها، وطبعاً تفاوتت المحطات في ما بينها.


لكن المشهد الموحّد على الشاشات المحلية تمثل في نقل تشييع شهداء الحزب، ما أدّى إلى اختلاط اللوغويات من mtv إلى lbci وبقيت الأعلام الصفراء والهتافات المعادية لإسرائيل تصدح. في هذه اللحظات بالتحديد (التشييع)، غرّد «تلفزيون لبنان» خارج السرب واستكمل برمجته المعتادة، فطالعنا الشيف أنطوان الحاج بآخر وصفاته. طبعاً، لم يمرّ هذا الأمر بشكل اعتيادي لقناة رسمية مُلزمة بنقل الأحداث والمناسبات لجميع الفئات، فإذا بها تخرج عن الإجماع وتسجلّ هذه السقطة في تاريخها.

احتلت معركة الجيش مع «النصرة» مساحة هامشية في النشرة
منذ يوم الجمعة، حوّل التلفزيون منبره إلى ما يشبه التلفزيون الرسمي السعودي. صحيح أن القناة تعكس سياسة الدولة في إعلان الحداد، لكنها انزلقت إلى المغالاة وبرزت بتغطية أقلّ ما يُقال عنها بأنها فاقعة. صحيح أنّ «المستقبل» أفردت نشرتها المسائية نهار الجمعة للراحل، لكن لا يمكن هنا إلا أن نضع ذلك ضمن الخطّ التحريري الذي تسير عليه القناة الزرقاء. أما في ما خصّ «تلفريون لبنان» فيبدو أنه سجن نفسه في القفص السعودي لمدة يومين متتاليين (الجمعة والسبت الماضيين) وأخذ يغدق علينا بمآثر الملك وبرحيله و»بمحاربته للإرهاب». يكفي أن نلقي نظرة على مقدّمة نشرته المسائية يوم الجمعة لنجد أنها استعارت كلام النائب سعد الحريري في وصفه الملك بـ «العين الساهرة» التي «أغمضت اليوم وعين ساهرة أخرى فتحت الليلة رسمياً بمبايعة سلمان بن عبد العزيز». وبعد إسهاب طويل في الحديث عن المبايعة وتقبّل التعازي والحداد الذي سيسود لبنان، تكرّم علينا التلفزيون الرسمي بسطرين اثنين عن المعارك العنيفة التي يسطّرها الجيش مع مسلحي «النصرة». لا يقف الموضوع عند مقدمة النشرة. المتابع لها يُدرك أن النشرة وقتها خصّصت ما يزيد عن 14 دقيقة لتغطية حدث الوفاة، أيّ ما يوازي تقريباً نصف النشرة (32 دقيقة). وفي اليوم التالي أيّ نهار السبت، عزفت القناة على الموجة عينها في إبراز الحدث السعودي مع تفاصيل مملّة للمشاهد عن تعداد المشاركين من الوفود اللبنانية الثلاثة التي حجّت إلى الرياض لتقديم واجب العزاء. وبعد تضمّن المقدّمة المسائية لهذه التفاصيل، تلت ذلك تقارير امتدت على سبع دقائق. وبعد الفاصل الإعلاني، استكملت النشرة باقي «تفاصيل معركة الجيش اللبناني»!