هاني أبو أسعد غارق حتى أذنيه في الهمّ الفلسطيني. ابن مدينة الناصرة (1961) حجز لنفسه موقعاً بارزاً في ما يُعرف بـ «السينما الفلسطينية الجديدة». الـ «جنر» السينمائي الذي دشّنه ميشيل خليفي (1950 ـــ مواليد الناصرة أيضاً) في تسجيلي «الذاكرة الخصبة» (1980 – 100 د)، ورسّخه في روائي «عرس الجليل» (1987ـــ 112 د).


نحن في صدد طرح مغاير لقضية شعب وصورة أفراده، بعيداً من الشعارات والنمطية وادّعاء الكمال. تحرير الفلسطيني من الكليشيهات الفدائية أيام إنتاجات الفصائل الثورية، وتقديمه كفرد من لحم ودم معرّض للخطأ والصواب. رصد الحب والانكسار والوقوع في فخ التعامل مع العدو وكيفية مقاومته. كل ذلك قابل للبحث النقدي والإعمال الفكري. في الشكل، ثمّة بحث لافت في الصورة وبنية السرد وشريط الصوت ونمط الأداء. أسماء عديدة بمستويات متفاوتة، انخرطت في الأفلمة والتطوير، مثل إيليا سليمان، ونزار حسن، ومي المصري، وإياد الداود، وعزة الحسن، وآن ماري جاسر، ورشيد مشهراوي. الأخير عمل معه أبو أسعد مصادفةً كمساعد، ليترك هندسة الطيران التي درسها في هولندا، ويقرّر التفرّغ للسينما. لقد وجد فيها اكتفاءً مفتقداً، وفضاءً رحباً للتعبير عن الذات.
وثائقي أبو أسعد «لمن يهمّه الأمر» (1991ــــ 15 د. - أفضل فيلم من «معهد العالم العربي» في باريس) باكورة تشي بصوت فلسطيني مختلف، يطرح أسئلة صعبة على الموقف الفلسطيني أثناء حرب الخليج. تشريح الذات وتشخيص أسباب النزيف الداخلي سيحضر بقوّة في الأفلام التالية. روائي «بيت من ورق» (1993 ـــ 28 د. – أفضل روائي قصير في بينالي السينما العربية في باريس) يضرب في احتلال لا يتوانى عن هدم بيوت الأطفال. في وثائقي «تحت المجهر» (2000 ـــ 23 د.)، يقف أبو أسعد عند شهداء الانتفاضة في مدينته التي كان قد وضعها أمام عدسته في «الناصرة 2000» (2000 ـــ 55 د.). زيارة البابا المرتقبة، ومشروع البلدية في الألفية الجديدة، والنزاع على «جامع شهاب الدين»، أبواب تفتح للنزاعات والعواصف. تتخلخل البنية الإسلامية ـــ المسيحية بتشجيع من الشاباك الإسرائيلي. عاملا محطة الوقود أبو عرب وأبو ماريا صديقا عمر شاهدان على الصفيح الساخن. مسارهما لا يسرّ أيضاً، على الرغم من الروح الساخرة. حلاوة الروح المحبّبة التي يحملها الفلسطيني أينما حلّ في أفلام أبو أسعد. المقيمون داخل الخط الأخضر لم ينسوا أنّ الاحتلال شوكة في الحلق. هم مستعدون لتقديم الشهداء عند أيّ انتفاضة. أبو أسعد مهتم بتأكيد ذلك. الانطلاقة الروائية الطويلة جاءت في «عرس رنا» (2002 ـــ 87 د. – سيناريو إيهاب لمعي وليانة بدر عن قصة لها). عندما تُخيّر رنا (كلارا خوري) بين السفر والزواج، تنطلق بحثاً عن حبيبها خليل (خليفة ناطور). تمشي وتركض تحت عدسات كاميرات المراقبة التي تحيل القدس سجناً كبيراً. الحصار والحواجز والاشتباه بالهواتف النقالة وأكياس القمامة ينقل شيئاً من جحيم العاصمة المحتلة وحالها العبثي. «عم يهدموا بيت باليوم اللي حاول ابني فيه بيت». تقولها رنا، فيما يقوم البلدوزر الإسرائيلي بالإجهاز على بيت آخر. القناعة راسخة في السواد الصهيوني: «احنا لا عارفين نحب ولا عارفين نحس».

التلاعب المدمّر حاضر بين
الأصدقاء، وصولاً إلى عسف المحتل


يتكئ على مكوّنات محليّة لتحقيق رؤية كونية تخاطب الجميع


حقق الفيلم الجائزة الكبرى في «مهرجان كولونيا للفيلم المتوسطي»، فيما نالت خوري أفضل ممثلة. في «الجنة الآن» (2005 ـــ 92 د. – غولدن غلوب أفضل فيلم أجنبي، ومرشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وجائزة الجمهور في برليناليه 2005)، حقق أبو أسعد نقلة عالمية، من خلال سؤال شائك حول العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون. هل هي استشهادية أم انتحارية؟ هنا، تمكن مناقشة كل شيء من خلال قصة خالد (علي سليمان) وسعيد (قيس ناشف) اللذين يستعدان لتفجير نفسيهما في تل أبيب. هذا الأخير مثقل بماضي والده الذي سقط في فخ التخابر مع العدو. علاقته بسها (لبنى الزبال) تفتح عينيه على فلسفة التشبّث بالحياة والبحث عن بدائل من المقاومة (لم يطرح الفيلم شيئاً منها). سعيد لا يبدو أنّه رافض لذلك، ولكن ربّما يكون «غسل العار» دافعاً أكثر قوّة حتى من وعود الجنّة. الدين حاضر كمبرّر شكلي في فيلم محكم. تيمات النضال والخيانة والحب ستتكرّر في شريطه الأخير «عمر» (2013، 99 د. ــــ مرشح أوسكار أفضل فيلم أجنبي). عمر (آدم بكري) وأمجد (سامر بشارات) وطارق (إياد حوراني) أصدقاء منذ الطفولة. ينقلب عالمهم عندما يقومون بقنص جندي إسرائيلي. الحب النقي بين عمر ونادية (ليم لوباني) لا يمكن أن ينجو بوجود الاحتلال ووكيله رامي (وليد زعيتر). حب أمجد لنادية أيضاً يزيد الطين بلّة. الشاب الوسيم المقبل على الحياة، يوضع تحت اختبار التعاون مع عدوه، يقاسي وطأة التمزّق والانهيار ويفقد كل شيء. الإرادة أقوى من الظروف، لكن لا بدّ من دفع الثمن كما يؤكّد الحوار. التلاعب المدمّر حاضر بين الأصدقاء، وصولاً إلى عسف المحتل. في الفيلمين الأخيرين، لا تبرير للعمالة بأيّ شكل، بل ثمّة سعي لفهم أسبابها. في تسجيلي «فورد ترانزيت» (2003 ـــ 80 د.)، يسخر من اضطرار العملاء إلى بيع سياراتهم «الفورد» بعد انكشاف أمرهم، لتتحوّل إلى النقل العمومي. بين حاجزي رام الله والقدس، نرافق شخصيات وأطيافاً مختلفة في حديثها عن القهر اليومي. إذاً، الاحتلال معيق خارجي لأيّ تطوّر فلسطيني.
في «عمر»، جداره يقسم المدينة إلى نصفين. أساليبه تحاول ضمان عدم قدرة المقاوم على تسلّقه مجدداً. هاني أبو أسعد حريص على إظهار ولع أبطاله بالسينما. أبو عرب وأبو ماريا يذكران يوسف شاهين وآلان ديلون في الكازية. الأخت تتذمّر من وجود صالة سينما واحدة في «الناصرة 2000». سها تحدّث سعيد عن السينما اليابانية المينيمالية، فيما ترغب بقربه أكثر في «الجنة الآن». نادية تضحك عندما يقوم أمجد بتقليد مارلون براندو في «عمر». هنا، يعيد أبو أسعد تشكيل العشاء الأخير من «فيردينيا» (1961) للويس بونويل. كاميراه تلاحق البطل بخفة وإتقان، خصوصاً في مشاهد الركض. معظم أبطاله يجرون بحثاً عن شيء ما أو هرباً منه. يخرج بنتائج مدهشة من ممثلين يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى (باستثناء وليد زعيتر). التوليف بارع في الانتقال من إصرار الكاميرا على الاقتراب من الوجوه والحالات، إلى سعتها في نقل الواقع المهشّم. من دون تلقين أو استعراض، يتحسّس هاني أبو أسعد روح شعبه، وينقلها إلى المنصّات العالمية. يتكئ على مكوّنات محليّة لتحقيق رؤية كونية تخاطب الجميع. نعم، المقاومة مشروعة بكل أشكالها في أيّ قانون أخلاقي أو إنساني، حتى لو لم يعجب ذلك بعض لجان التحكيم في التظاهرات الكبرى!


* «عمر» (2013) لهاني أبو أسعد بدءاً من اليوم حتى 4 شباط (فبراير) في «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/204080




خيبة في هوليوود

في عام 2012، حقق أبو أسعد فيلماً هوليوودياً بعنوان «الساعي» (99 د.) بحضور الأوسكاري ميكي رورك. قصة بوليسية بلا طعم أو رائحة. لا اختراق يُذكَر رغم جديّة أبو أسعد (الصورة)في صنع فيلم تجاري محترم. حالياً، يعمل على فيلم فلسطيني حول «الاستهلاك»، وآخر هوليوودي بعنوان «الجبل بيننا» من بطولة مرشحة الأوسكار روزاموند بايك. يفترض أن يرى النور عام 2017 حسب الـ IMDB.