حيفا ـــ فراس خطيب

لا نعرف من أين استقى «المحتفون» العرب بترجمة عاموس عوز إلى لغة الضاد معلوماتهم عن «يساريته»؟ ولا نعرف أيضاً كيف يتبرع عددٌ من النقّاد العرب بتصوير عوز على أنّه «داعية سلام»، مسجّلين بهذا موقفاً منقوصاً عن خلفية الرجل وفكره وموقفه. علماً بأنّ دعاة السلام الحقيقيين من اليهود الإسرائيليين هاجموا عوز في أكثر من مناسبة. ترجمة الأديب الإسرائيلي الأبرز إلى العربية حدثٌ يستدعي نقاشاً ضرورياً. لكن من الخطأ وضع الترجمة في سياق يبدو فيه الرجل كأنّه يستحق دخول الضاد من دافع «نشاطه السلمي». هذا أمر أبعد ما يكون عن الواقع، وخصوصاً أننا لا نعرف أيّ «داعية سلام» هذا الذي يدعم الخروج إلى الحروب الإسرائيلية كلها، أو على الأقل يَدعم حروباً «ذات أهداف محددة».
لقد انطلت «تقدميّة» عوز على بعض المثقفين العرب عن سذاجة في أفضل الأحوال، وقصور في الوعي ربّما... أو لأنّهم يسعون بكل الوسائل إلى أنسنة إسرائيل. انبهر بعضهم بتأييده «حل الدولتين» (معظم قادة الدولة العبرية يؤيدون حل الدولتين)، أو أُعجبوا بإدانته لـ«كذبة اليسار» (الإسرائيلي). علماً بأنّ عوز وأمثاله من الأدباء الإسرائيليّين أمثال أ. ب. يهوشوع، وديفيد غروسمان، هم «كذبة» اليسار أصلاً، إن لم يكونوا من مبتكريها. ويكفي العودة عاماً إلى الوراء، عشيّة العدوان على غزة، وقراءة مقالة عوز المؤيدة للحرب على الصفحة الأولى من «يديعوت أحرونوت»، الصحيفة الإسرائيليّة الأوسع انتشاراً.
لم تكن زمرة الجنرالات الإسرائيليين تحتاج إلى تصديق المرشح الأزلي لجائزة «نوبل للآداب» (ثمة من أراد ترشيحه لـ «نوبل السلام») على العملية العسكرية. إلا أنّ عوز اختار التبرّع بصوته لشرعنة «الحرب الدفاعيّة». تحوّل عوز إلى منظّر عسكري يدعو القوات الإسرائيلية إلى شنّ حملة عسكرية «محدّدة»، متناسياً أنّ جيشه يقصف منطقة هي الأكثر اكتظاظاً في العالم. وحين احترقت غزة، فهمَ «اليساري» أنّ عليه المطالبة بـ«وقف الحرب» بعدما هوت أخلاقياته أرضاً أمام العالم. راح يبرّر موقفه، لكن من دون الاعتذار عنه، وتذرع بأنّه أيّد «عملية عسكرية محددة» ولم يكن العدوان على غزة، الحرب الوحيدة التي أيّدها عوز: من يفتش أكثر، سيجده مؤيداً للحروب الإسرائيليّة كلها، لكنّه مصمّم ـــــ كالمحتفين به عربيّاً ـــــ على أنه «يساري يدين القتل». وهو يعرف أنّ «العملية العسكرية المحددة» تعني حرباً طاحنة في قاموس سلاح الجو الإسرائيلي.
من هذا المنطلق، لفتت اليهودية التقدّمية في حزب «التجمع الوطني الديموقراطي» وصاحبة «دار أندلس للنشر» ياعيل ليرر، إلى ضرورة وضع ترجمة عوز إلى العربيّة في سياقها الصحيح، عوضاً عن الاحتفاء المجاني بها و«تقديمها خدمةً للاحتلال والتطبيع معه». في رأي ليرر، هناك ضرورة إلى ترجمة عوز إلى العربية، كي يعرفه قرّاء الضاد ويفهموا مواقفه. «هذا هو النوع من الأدب الذي يحبه الإسرائيليون، وإذا أردنا أن نعرف المجتمع الإسرائيلي، فعلينا أن نعرف الثقافة التي يتربّى عليها، وفي طليعتها مؤلفات عوز»؟ كل المسألة تكمن في كيفيّة تقديم تلك الترجمات. وتستدرك ليرر: «بعض روايات عوز تنضح بعنصرية واضحة ضد العرب واليهود الشرقيين».
يعمل عوز اليوم محاضراً وباحثاً في مجال الأدب. الروائي القادم من قلب «الييشوف» اليهودي في فلسطين، ترعرع في بيئة محبّة ومختصة بالأدب. عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، وضعت أمّه حداً لحياتها. وهذه الحادثة استرجعها في «قصة عن الحب والظلام»، الرواية المعرّبة عن «دار الجمل» ومناسبة هذا الملفّ. وذكر أنّه بعد عامين على وفاة أمّه، غيّر اسمه من عائلة كلوزنر إلى عوز. خدم في وحدة الناحل في الجيش الإسرائيلي. حصل على اللقب الأول من الجامعة العبرية في موضوعات الأدب والفلسفة. وبعدها، واصل دراسة الفلسفة في جامعة «أوكسفورد». وفي عام 1965 أصدر مجموعة قصصية، قبل أن يصدر بعدها بعام روايته الأولى «مكان آخر ربما». عام 1968، حقق قفزة نوعية من خلال رواية «ميخائيلي» (عرّبها رفعت فودة تحت عنوان «حنة وميخائيل»، وصدرت عن «الدار العربيّة للطباعة والنشر والتوزيع»، القاهرة ـــــ 1994). بعد هذه الرواية، تربّع عوز على عرش الأدب الإسرائيلي.
حين هوجم الكاتب المذكور على «فشله الأخلاقي» في عملية «الرصاص المصبوب»، من جانب عضو الكنيست دوف حنين في صحيفة «هآرتس» (30/1/2009)، قال في معرض رده للصحيفة ذاتها: «في مقالة نشرتها عشية الحرب، حذرّت من مخاطر القتل الجماعي في غزة، وأيّدت عملية عسكرية محددة، مركّزة، ضد «حماس» لا ضد آخرين». وأضاف إنّه لا يعتقد أنّ إسرائيل «ملزمة دوماً بمد خدّها الأيسر»، مضيفاً «طالبتُ بوقف العملية العسكرية بعد يومين على بدايتها، حين تبيّن أنّها لم تكن مركّزة ولا محدّدة». قد يليق هذا الخطاب بجنرال احتياط بعد خدمة عقود في الجيش. وبالتأكيد، لا يليق بـ«داعية سلام»، وخصوصاً أنّ هذا الأديب يدرك أنّ الدولة العبرية ـــــ في حروبها قاطبةً القصيرة منها والطويلة ـــــ قامت على ذبح المدنيين.
أيّد عوز «بدايةً» الحرب على لبنان عام 2006. وحين تورّط رئيس الحكومة الإسرائيليّة السابق إيهود أولمرت بنتائج الحرب التي لم تحقّق أهدافها، سعى المقرّبون منه إلى إطلاق حملة إعلامية كبيرة تهدف إلى «فضح» معارضي أولمرت، الذين أيّدوا الحرب قبل اندلاعها وهاجموه بعد نهايتها. هكذا، جمع المقربون من أولمرت اقتباسات عدّة أيّدت الحرب قبل اندلاعها. وكان عوز من بين هؤلاء المتذبذبين. حتّى إنّ أولمرت اقتبس عن عوز قوله: «لو أن إسرائيل لم تردّ رداً عسكرياً على هذا الاستفزاز (استفزاز «حزب الله»)، لكانت ستشرعن نظرية بيت العنكبوت، وستستدعي استفزازاً أكبر» (الخبر نشر في موقع «واينت» الإسرائيلي بتاريخ 30/4/2007).
هذه بعض مواقف عوز، كما وردت على لسانه، قبل أن يتبرّع النقّاد العرب بتنقية صورته. لقد تقمّص هذا الأديب أدواراً عدّة على مسرح الاحتلال. يؤيد الحرب في «يديعوت أحرونوت» ويدعو إلى السلام في صحيفة الـ«أندبندنت» البريطانية. لقد أتقن صورة «الوجه العقلاني» حاملاً نظرية «الجانبين» كأنّ طرفي الصراع مذنبان. هكذا يحتفي بعض العرب بكلامه المعسول والعقلاني والرزين كأنّ معاداة قتل الأطفال (بعد تأييد الحرب عليهم) هي «قيمة إنسانية». كأنّ الشعوب العالقة من وراء الجدران الإسمنتية، جانب في الصراع الذي يحلّله عوز، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشعب الأعزل العالق منذ سنوات في سجنه غير المسقوف في غزة. أقحم عوز نفسه ـــــ وبرضاه التام ـــــ في الماكينة الترويجية الإسرائيلية التي تؤيد الحروب فعلياً وتدعم «السلام» لفظيّاً فقط.
تذهب ياعيل ليرر المقيمة في باريس أبعد من ذلك، إذ تصنف عوز بـ«الظاهرة الخطيرة، وأحد المسوّقين للبروباغندا الإسرائيليّة. هو ينتمي إلى هؤلاء الذين يظهرون في أوروبا كأنهم يريدون السلام، مع أنّهم يدعمون كل الحروب». وتلفت ليرر إلى أنّ «الخطر لا يكمن في دعوته إلى السلام وتأييده الحرب في الوقت نفسه، بل إن الخطورة تكمن أوّلاً في أنّ عوز من أكبر منتجي الدعم الأوروبي لإسرائيل. لأنه مثقف يمنح صورة للأوروبيين مفادها: نحن مثلكم، ونحن مثقفون مثلكم، ونتكلم بلغتكم، ونحمل قيمكم نفسها».
ورأت ليرر أنّ هناك مَن هم أحقّ بالترجمة إلى العربيّة من بين أدباء العبريّة. «هناك من هم حقيقيون وصادقون أمثال أهارون شبتاي، الذي رفض أن يكون جزءاً من ماكينة البروباغندا الإسرائيلية، حين رفض المشاركة في معرض الكتاب في باريس الذي أقيم في مناسبة مرور 60 عاماً على قيام إسرائيل» (المعرض الذي شارك فيه عوز إلى جانب 40 كاتباً إسرائيلياً مع شيمون بيريز). “هناك أيضاً شعراء وسينمائيون وفنانون إسرائيليون يقولون كلمتهم بصدق وهم من أصحاب المواقف الواضحة».


تكمن خطورة عوز في أنّه من أكبر منتجي الدعم الأوروبي لإسرائيل (ياعيل ليرر)
بالمختصر، فإنّ خطورة الدور الذي يؤدّيه عوز في البروباغندا الإسرائيليّة يكمن في كونه لا يلبس زياً عسكرياً، ولا يلقي خطابه من معسكرات سلاح الجو، بل من على منابر فكرية، يسمعها ويقتنع بها كثيرون لكونها صادرة عن أديب وكاتب «يساري» له وزنه، لا عن رجل سياسي. حين يؤيد عوز عدوان تموز على لبنان عام 2006، أو عدوان غزة عام 2009، فإنّ الرأي العام لا ينظر إليه كما ينظر إلى وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان. عوز ـــــ في نظر المتلقّين ـــــ دعايته أقوى كأنه رجل سلام.
ولا يخفي عوز مواقفه الصهيونية. إذ قال ذات مرة: «أنا مقدسي من «موديل» الأربعينيات. هذا يعني أنّني من أحفاد اللاجئين المنذهلين القادمين من شرق أوروبا، محمّلين بعلاقة حبّ وكره لأوروبا. وإذا كان ثمّة أمر يثير غيرتي لدى الجيل الشاب الجالس في شينكين (أحد شوارع تل أبيب)، فهو أنّه يمتلك مخاوف أقلّ، وربما كان هذا النجاح الأكبر للصهيونية. أمّا أنا، فلن أتحرّر من مخاوفي أبداً. أعيش دوماً مخاوف بأنّ هذه السفينة هي قشرة جوز في الأوقيانوس».