بيار أبي صعب

هل صحيح أن الأدب لا يعترف بالحدود، وأنه «جسر بين الشعوب» وإن فرّقت بينها أنهار الدم؟ الفكرة مغرية لوهلة. لكنّها أجمل من أن تُطبّق بسذاجة على كل أدب، في أيّ مكان وزمان. حين يترجم المقموع أدب قامعه، وحين تقرأ الضحيّة أدب جلادها، يصبح الأمر أكثر تعقيداً. وحين تُنشَر اليوم في بيروت رواية مترجمة من العبريّة، ويكون صاحبها من غلاة الصهيونيّة، يحقّ لنا أن ننظر بعين نقديّة إلى الخلفيّات الإيديولوجيّة للنص وكاتبه. وأن نسأل الناشر العربي عن كيفيّة اختيار هذا العمل من دون سواه في الأدب الإسرائيلي؟ هل من خطّة نشر يندرج هذا الإصدار في سياقها؟ من أيّ زاوية يُقدَّم النص وصاحبه إلى القارئ العربي؟
الطبعة العربيّة لرواية عاموس عوز، الصادرة عن «دار الجمل» في ترجمة أدبيّة جميلة، يهديها إلياس د. خوري (ليس هناك ما يعرّف به ويوضح علاقته بالكتاب) إلى ابنه الشاب جورج، الذي قتله فلسطينيان من «عصابة» كتائب شهداء الأقصى، ربيع 2004، ظنّاً منهما أنه يهودي، فيما كان يمارس الهرولة في القدس الغربيّة. من هنا يدخل القارئ العربي إذاً إلى «قصّة عن الحبّ والظلام» التي تقدّم الأسطورة الصهيونيّة لنشوء إسرائيل، في قالب مثالي حميمي منزّه، وسط تغييب كامل للذاكرة الفلسطينيّة.
ليس في ملفّنا هذا أيّ نزعة تخوينيّة أو تكفيريّة. إنّه محاولة لتوضيح بعض المسائل الأساسيّة، ودعوة هادئة إلى التفكير والنقاش، مع احترامنا لناشر تميّز بنوعيّة إصداراته التي تجرّأت غالباً على المحظور الفكري والاجتماعي. أما تجاوز الثوابت الوطنيّة فمسألة أخرى: هل المطلوب أن نقلع عن اعتبار إسرائيل عدوّاً؟ وأن نعيد قراءة تاريخنا من منظور الرواية الصهيونيّة؟