للسنة الثالثة، يتعانق الشعر وبعض الهواة على امتداد «أيّام» منذورة للفنّ الرابع أساساً. تجارب لافتة تقدّمها عمان في إطار ممسرح متواشجةً مع الموسيقى


عمّان ـــ حسين بن حمزة
لم تعد مهرجانات الشعر العربية جذابةً، خصوصاً تلك التي تنظّمها جهات رسميّة. معظمها تحوّل إلى لقاءات احتفاليّة تنفضّ سريعاً من دون انجاز أيّ تراكم شعري ملموس. لقد بات تقليداً راسخاً أن تكون المهرجانات تجميعاً لتجارب متضاربة وغير خاضعة لخيارات أو معايير شعرية محدّدة. في المقابل، تبرز أحياناً مهرجانات هامشيّة يحرّكها طموح صادق، وإن لم يكتمل نضجها تماماً. «شعر في مسرح» الذي تُفتتح دورته الثالثة بعد غد الخميس، هو إحدى تلك المغامرات الصغيرة والطموحة. هذا الموعد يقام في ظلّ «أيام عمّان المسرحية» الذي انطلقت دورته الـ 16 أخيراً. فعسى لقاء الشعر يعوّض قليلاً عن تراجع المهرجان المسرحي الأمّ الذي بات يفتقر إلى الدهشة.
لعلّ فكرة إحضار الشعر إلى المسرح ولدت من تخيّل القراءة كفنّ من فنون الأداء. علاقة الشعر مع المنبر قديمة، لكنّ «شعر في مسرح» يقترح علينا شكلاً مختلفاً للقاء الشعر والاستمتاع به: لقاء الشاعر مع الجمهور يخضع هنا لإطار مسرحيّ يسعى إلى مدّ القراءة ببعد مشهدي. تولّت سوسن دروزة إخراج أمسيات الدورة الأولى، بينما أخرج نادر عمران الدورة الثانية، وستسود سلطته على قراءات الدورة الحالية. إنها محاولة لتفادي الطاولة المفروشة بشرشف أبيض، أو المنبر الخشبي المحاصر بميكروفونات مغبرّة وأزهار اصطناعية. يراد للشاعر هنا أن يتخفّف من الإلقاء التقليدي، ليكون جزءاً من احتفال أشمل وسط سينوغرافيا تليق بمزاجه ومزاج قصائده. الإلقاء ترافقه الموسيقى، كنتيجة بروفات مشتركة بين الشاعر والعازفين... المفروض أن نصل إلى حالة تفاعل حيّة بعيداً من المرافقة الزخرفية. هذه هي الطموحات، يبقى أن ننتظر النتيجة!
اللقاء الشعري الأردني يراهن أيضاً على نوعيّة ضيوفه، كما يبدو من لائحة المشاركين في الدورتين السابقتين. ثمة انحيازٌ معلن إلى حساسيات معينة، سواء حضرت في تجارب شعرية راسخة، أو في تجارب مستجدّة وشابة. القاسم المشترك بين المدعوّين، يبدو غالباً الطموح الحيّ لشعراء من أجيال ونبرات مختلفة. ثمة رهانٌ آخر يقوم على مصالحة نبرات وحساسيات غير منبريّة مع الخشبة، وتكييف نبرات منبريّة مع روحيّة إلقاء مختلفة. جاء في الماضي أمثال بول شاوول وهالا محمد ومحمد علي شمس الدين ورشا عمران وغسان زقطان وموسى حوامدة وخليل درويش وزياد عناني... كما جاء بعدهم زكريا محمد ونجوان درويش وأحمد الملا ونزيه أبو عفش ونوري الجراح وزليخة أبو ريشة وعائشة البصري وفاطمة قنديل وإسكندر حبش وجمانة مصطفى وكاتب هذه السطور.


ضمن «أيّام عمّان المسرحيّة» التي انطلقت السبت الماضي
أما المشاركون في هذه الدورة، فهم محمد الصغير أولاد أحمد وخزعل الماجدي وغسان جواد وثريّا ماجدولين وطاهر رياض وعادل محمود ورنا جعفر ياسين وسمر دياب وآخرون. أغلب الأسماء ليست مهرجانيّة، حتّى إن بعض الضيوف يقفون للمرّة الأولى على المنبر في مواجهة الجمهور. معموديّة شعريّة إذاً، ترعاها عمّان في ظلال ما بقي من المسرح. ولا يمكن أن نختم من دون كشف أحد أسرار هذا اللقاء. ألا وهو أهمية الحوار، المباشر وغير المباشر، بين الشعراء أنفسهم من جهة، ومع الجمهور الصغير من الجهة الأخرى ... قد تلتقي في عمّان أحد هؤلاء الذين صنعوا حداثة ثانية في الشعرية العربية، أو أحد الشعراء الذين يواصلون اكتشاف مسالك جانبية غير مكتشفة لتلك الحداثة. نستعدّ أيضاً للقاء آخرين أكثر شباباً يفتشون عن موضع صائب لمخيّلاتهم الجديدة. بطريقة ما، يمكن وضع هذه الأسماء في أنطولوجيا شعرية متخيّلة. ربّما كان طموح الذين يحرّكون الخيوط الخفيّة لهذا الموعد اللطيف، أن يأتي يوم تصبح المشاركة في «شعر في مسرح» بحدّ ذاتها شهادة معنويّة لا غنى عنها. كل ما يحتاج إليه تحقيق هذا الطموح قليل من الصبر والمراكمة.


بعد غد الخميس حتّى 4 نيسان (أبريل) ـــ «المركز الثقافي الملكي» (عمّان). للاستعلام: 00962 795415822