رواية عن انهيار اليسار وصعود التيار الإسلاموي



روايته الجديدة «متاهات» (منشورات البرزخ) التي يخيّم عليها شبح السيرة الذاتية، تعرِّج على جزائر التسعينيات التي استبدّت بها حمّى الإرهاب والدم والعنف. ويكشف الكاتب وصفته السحريّة للإفلات من الدوامة: المسرح والجسد وموسيقى الراي

الجزائر ــ سعيد خطيبي
كان إرنست همنغواي، كلما شعر برغبة في الكتابة، يطرد أصدقاءه من البيت، بحجة التركيز على العمل، احتراماً للقارئ. أما الروائي الجزائري أحميدة عياشي، فلا يتوانى عن طرد القارئ الكسول، الباحث عن نصوص مثالية، مشترطاً قارئاً مختلفاً، مسلحاً بالصبر، والحذر، والواعي ببعض خلفيات تحوّل الراهن السياسي في الجزائر، بغية الغوص في تشابك فصول روايته الجديدة «متاهات» (منشورات البرزخ).
لمّا أصدر عياشي باكورته «ذاكرة الجنون والانتحار» (1988)، كتب عنه الرّاحل بختي بن عودة: «تتسم الرواية بروح جديدة وتوظيف تقنيات ذات منحى سيكولوجي تخالف التقنيات المدرسية المبنية على الكلاسيكية اللغوية والتصوير الخطّي والحدث المتنامي وفق الوحدات الأرسطية الثلاث». استطاع عياشي في تلك الرواية كسر نمطية الكتابة التي اشتهر بها جيل المؤسسين في الجزائر، أمثال عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار. وقد واصل العمل نفسه في رواية «هوس» (2007) و«متاهات» حيث ترتسم معالم تجربة تمزج بين المتناقضات: الواقعية والسريالية، السردية والشعرية، الحياة والموت، الوعي واللاوعي، مع ميل إلى إدراج تقنية «الكولاج» وصهر العربية الفصحى بالعاميّة.
تحاول «متاهات» عرض التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الجزائر بين 1988 و1998، منذ اندلاع الثورة الشعبية، وسقوط الشعارات الاشتراكية وولوج البلاد الحرب الأهلية ثم تمادي العمليات الإرهابية تحت مظلة الإسلاموية.
تتضمن الرواية بعض المقاطع المجتزأة من السيرة الذاتية. يعود المؤلف إلى وصف بدايات الأزمة الجزائرية، مركزاً على بلدة «ماكدرة» التي تختزل صورة الجزائر. يكتب: «وجاء الشيخ إلى ماكدرة. ألقى خطبة نارية في مسجدها العتيق، بكى الناس وانتحبوا، طلبوا التوبة. وراحت كلمات وشعارات جديدة تخلب القلوب وتسحر العقول، توارى وجه الكولونيل وبزغ وجه الشيخ بلحيته الكثة وعينيه الغارقتين في الكحل وقميصه الأبيض وصوته الجهوري الداعي للعودة إلى الإسلام والخروج من عهد ظلمات جاهلية القرن العشرين». يؤيد الروائي الطرح القائل بأنّ سبب تنامي العنف خلال التسعينيات نابع من ميل قيادات التيار الإسلاموي إلى اللعب على وتر الخطابات الدينية، والتكفيرية، القائمة على الوعيد والتهديد. وهذا ما أدى لاحقاً إلى بروز عدد من بؤر الموت والقتل، أثرت في توازن الروائي، الذي ينقلها، عبر إدراج قصاصات جرائد. ويكتب، بشكل صحافي صرف، استفزازي ومتقطع: «مجزرة جديدة ببوفاريك»، «تفجير سيارة مفخخة بشارع ديدوش مراد»، «الصحافي عبديش من بين ضحايا انفجار حسين داي»، «اشتباكات بين مصالح الأمن ومجموعة من مناضلي جبهة الإنقاذ».
تعيدنا الاقتباسات التي تضمنتها الرواية إلى يوميات «الرعب» التي عرفتها الجزائر قبل أكثر من عشر سنوات، حيث كانت صبيحة كل يوم تُعَدّ إشعاراً ببداية الإعداد لسلسة جنائز جماعية. نكتشف لاحقاً أن الروائي نفسه كان يشتغل خلال تلك الفترة، صحافياً يتابع القضايا الأمنية. يعيش حياة قاسية، متنقلاً بين الجزائر العاصمة وسيدي بلعباس (غرب الجزائر)، متحملاً لوم العائلة التي طلبت منه البحث عن مهنة أكثر أمناً ومتحملاً دوامة القلق المتواصل، والخوف، والهذيان والكبت أيضاً.
رغم حالات الضغط النفساني، لا يخفي المؤلف بعض حالات الفرح والتمتع بالحياة النابعة، أساساً، من تعلقه بالمسرح، وشغفه بالجسد، وهوسه بموسيقى الراي. يكتب عن هذه الثلاثية: «تثير شهية ممارسة الحياة، شهية الكتابة وشهية التذكر». يعود إلى


كسر نمطية الكتابة التي ميّزت جيل المؤسسين أمثال عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار
اللقاء الذي جمعه بكاتب ياسين وينتقل إلى الحديث عن الراي، وخصوصاً الراي النسوي ويقاسم آراء بختي بن عودة قائلاً: «الراي النسوي صرخة، عراء، إدانة، اعتراف، لوعة، مكاشفة، هوس، صعود إلى ما وراء الأسفل». كذلك يكشف عن بعض المظاهر الاجتماعية، السائدة في الجزائر، التي يرفض «الآخر» الإقرار بها، وخصوصاً المثلية الجنسية التي يتحدث عنها، بتلقائية، عبر وصف شخصية بحلاط: «شخص غريب، منذ أن فتحت عيني وأنا أراه بنفس الهيئة ونفس الحركات كأنه خارج الزمن. وجه من وجوه ماكدرة. يشرب ويزطل باستمرار. أنقذ المئات من الذين أوشكوا على الغرق في بحيرة سيدي محمد بن علي. أصبح بطلاً محلياً عندما أغرقت الفيضانات ماكدرة وسيدي بلعباس ذات عام 1967. المقابل الذي كان يطلبه في سبيل إنقاذ الناس من الغرق، قارورات نبيذ أو قضاء ليلة مع ذكر. كان بحلاط شاذاً وكانت البلدة قابلة شذوذه. كان يعشق حتى الموت الجمال الذكوري».
المشاهد المتقاطعة، والكتابة الحلزونية، والمناجاة، وصف بعض مظاهر اللاأمن، في جزائر التسعينيات، مثّلت أهم سمات الرواية التي يتساءل من خلالها عياشي: «ما معنى أن يكتب المرء في مجتمع لا يقرأ، بل تحكمه ديكتاتورية الشفوية. إن الكتابة في مجتمع شفوي لا يمكن إعتبارها إلا شكلاً من أشكال الجنون البائس أو من الاستئناس المجنون (...) هل نكتب لنغير؟ لكن نغير ماذا؟ إننا نكتب لنزداد عزلة على عزلة. نكتب لنزداد جنوناً على جنون».