بناء من الستينيات. درابزين الدرج الخشبي «الشرح» يغريك بصعوده حتّى الطابق السابع، حيث منزل أولغا نقّاش. في الداخل، يبدو كل شيء كأنّه من زمن آخر. الأواني، المقاعد المنجّدة بأحمر قانٍ، طاولة السفرة وشرشفها، إبريق الشاي... هنا تجالس المخرجة اللبنانيّة رائعة تولستوي «موت إيفان إيليش»، وترجمةً فرنسيّة لأشعار ناظم حكمت (1902 ـــــ 1963) بعنوان «الثلج في الليل»... وهنا تحدّثنا عن شريطها «أمي، لبنان، وأنا» الذي يعرض ضمن برنامج «شاشات الواقع» (30 /3 ـــــ س: 7:00).

نقّاش التي ولدت في مدينة مرسين (جنوب تركيا)، من أب لبناني وأم تركيّة، أمضت معظم حياتها بين باريس وإسطنبول. عملت في الصحافة، بعد دراسات في الأدب، وأنجزت مجموعة أفلام وثائقيّة، قبل أن تترك كلّ شيء وتعود إلى لبنان منذ خمس سنوات لتبقى مع والدتها المريضة. بورتريه زيتي لهذه الأخيرة في بداية الأربعين يتصدّر الصالون، ويلقي بظلّه على الفيلم أيضاً. «أردت أن أنجز فيلماً عن المرأة التي علّمتني كلّ شيء. كانت ابنة جيل شهد إصلاحات أتاتورك وآمن بالعلمانيّة»، تخبرنا صاحبة «نساء من تركيا» (2006).

شخصيات وأحلام معلّقة في الهواء
في «أمي، لبنان، وأنا»، نرى السيّدة الجميلة في اللوحة وقد حملت عبء السنوات الطويلة. في «فلاش باك» تصوّر نقّاش اضطرابات أمّها المزاجيّة الأولى، التي واكبت إرهاصات الحرب الأهليّة. كأنّ الأم ولبنان دخلا دوّامة الجنون معاً. إلى جانب توثيق انطفاءة أمها البطيئة، تجد نقاش بعض الوقت المستقطع لتسجّل ما شهدته في سنوات إقامتها اللبنانيّة من حرب تمّوز، واشتباكات نهر البارد، إلى اغتيال فرانسوا الحاج، وأحداث 7 أيار.
تستحضر نقّاش كلّ هذا على شكل انطباعات قد تبدو لنا عشوائيّة لشدّ ما هي شخصيّة وخارجة عن السياق أحياناً. على اشتباكات نهر البارد تعلّق مثلاً: «من أين خرجت هذه الجماعة الآن لتعتدي على جيشنا؟». لكن إذا وضعنا جانباً الرؤية السياسية الساذجة والمشوّشة للراهن، يعبق الشريط بروائح المكان وأسئلة أهله على لسان شخصيات عثرت عليها نقّاش في دفاتر الماضي. صديقتها إلهام، مدرّسة الفلسفة في إحدى المدارس الرسميّة في المتن، عرفناها أمّاً ومدرّسةً شابّة في شريط نقّاش الأوّل «لبنان من رأسه حتّى قدميه» (1994). اليوم، نراها بعد 16 عشر عاماً، يساريّة حانقةً على كلّ التركيبة. صديق آخر من الجنوب، يؤمن بصدقيّة المقاومة، «ويحلف بحياتها، لكنّه تعب»، هذا ما تريدنا المخرجة أن نفكّر فيه معها! رحلة الصديقين تلخّص بنحو ما رحلة نقّاش: «شخصيات معلّقة في الهواء، ومعلّقة الأحلام»، كما تقول. الشريط في كلّ الأحوال تحيّة إلى الأم التي رحلت أثناء المونتاج، ومساءلة لموتها ووحدتها، وتوثيق شخصي لسنوات الكآبة اللبنانيّة الأخيرة.
س. خ.


7:00 مساء 30 آذار (مارس) الحالي بحضور المخرجة