لم تعد تقتصر على دائرة ضيّقة من الأفلام التي تختارها «البعثة الثقافيّة الفرنسيّة» في لبنان. التظاهرة الخاصة بالسينما الوثائقيّة، تواصل ابتداءً من الغد انفتاحها على السينمات الأوروبيّة والعربيّة، بفضل شراكة بين «متروبوليس» و«مهرجان مارسيليا للأفلام الوثائقيّة». موعدكم هذا العام مع غسّان سلهب، وكورين شاوي، ورهام عاصي، وسداد كعدان، ورين متري وأولغا نقّاش وآخرين


بيار أبي صعب
ومضات على لوحة قديمة لبيروت في الظلام، ثم يبدأ الفيلم بالإنزال الأميركي في الرملة البيضاء في بيروت. لقطة مقرّبة ثابتة لأم غسّان. وصوت يروي الحكاية من أوّلها. وسؤال يطرحه السينمائي على أمّه: «بتتذكّري أمي، أوّل مرّة خلّفتيني؟».
بعد ثلاثة أفلام روائيّة طويلة، يمكن أن نطلق عليها «ثلاثيّة بيروت»، وأعمال فيديو تمعن في الاختبار وتقطع مع الأشكال واللغات التقليديّة للكتابة الفيلميّة، يعود غسّان سلهب إلى بيروته، بفيلم خاص يصعب تصنيفه: شريط «١٩٥٨» الذي يفتتح الدورة السادسة من «شاشات الواقع» غداً، يمثّل خلفيّة لتلك التجربة التي تضع صاحبها على حدة في جيل ما بعد الحرب الأهليّة اللبنانيّة.
فيلم ذاتي وحميم؟ ربّما، لكن ألا تنطبق هذه المقاربة ـــــ بشكل أو بآخر ـــــ على كلّ أفلام سلهب؟ عمل أوتوبيوغرافي؟ قطعاً، لكنّه يذهب أبعد من ذلك. في تنقّله المتواصل بين الخاص والعام، يبدو «١٩٥٨» أشبه بعمليّة فحص للذاكرة الجماعيّة اللبنانيّة، في ضوء الراهن الحارق... محاولة لمساءلتها من موقع فردي وخاص. يقوم سلهب برحلة استعاديّة، محايدة ظاهراً، تبدأ من ألبوماته العائليّة لتفضي إلى محطّة أساسيّة في تاريخ لبنان، بلد الحروب الأهليّة الدائمة... ثورة الـ ١٩٥٨ بالنسبة إلى بعض اللبنانيين، أو أحداث الـ ١٩٥٨ بالنسبة إلى بعضهم الآخرفكّر غسّان في تحقيق فيلم عن أمّه، عن حياته، انطلاقاً من تاريخ محدّد: ١٩٥٨ عام ولادته في داكار، السنغال، ليكون الابن البكر لتلك الصبيّة الصيداويّة السنيّة التي تزوّجت في السابعة عشرة رجلاً شيعيّاً كان أستاذ أخيها، وتبعته إلى السنغال، منسلخة عن بيئتها وأهلها ولغتها وعالمها الأوّل. وإذا بـ«الحكاية الصغيرة» تأخذ مؤلف الفيلم إلى حكاية أكبر، فيجد نفسه وجهاً لوجه مع التاريخ: في الشهر نفسه من العام نفسه، انفجرت في لبنان حرب أهليّة مصغّرة نسيها الجميع اليوم (بروفة أولى على حرب الـ١٩٧٥؟)، تختزن بشكل مكثّف كل عناصر الصراع الدائر حتّى اليوم في لبنان والمنطقة. الأم المتشبّعة بروح القوميّة العربيّة، علمت بانفجار الأحداث عن طريق رسالة متأخّرة وصلتها من أبيها في لبنان.
السينمائي الذي عبر مفترق الخمسين، ينبري لمهمّة ملء فراغات الذاكرة، وتحريك المبضع في اللاوعي الجماعي. مساهمة جديدة في «المشروع الأركيولوجي» الذي يميّز الفنّ الطليعي اللبناني منذ عقدين مع محمد سويد وأكرم الزعتري والآخرين. حقّق سلهب فيلمه بأسلوب ولغة يبتعدان عن السرد والتوثيق والتعليق المباشر. كل شيء هنا مستتر في إيقاع مثير، وبنية سرديّة ملتبسة، وقالب يجعل من الفيلم تحفة فنيّة صغيرة، علماً أنّه قد لا يحقّق الإجماع بسبب بنيته المركّبة وأسلوب اختباري ينحو إلى التكثيف والتجريد... بدلاً من الشرح والتوضيح والإفصاح والمباشرة ورسم حدود واضحة بين الأجزاء والمَحاور.
المادة الأرشيفيّة مستعملة بطريقة ديناميكيّة. كميل شمعون وحلف بغداد والأسطول السادس. جمال عبد الناصر أيّام «الجمهورية العربية المتحدة». اغتيال نسيب المتني. مراسل أجنبي يلخّص الوضع من موقع عسكري في بيروت قبيل الإنزال الأميركي. ميليشيا الكتائب تحيّي بيار الجميل، ميليشيا الحزب القومي تتدرّب. يلجأ سلهب إلى شهادة لبنانيَّين شاركا، من موقعين مختلفين، في أحداث ذلك الصيف العصيب، فإذا بروايتَيهما تتعاونان على ترميم الصورة. الأم تروي وتحكي وتتذكّر من موقع ثالث.

رحلة استعاديّة عائلية تفضي إلى محطّة أساسيّة في تاريخ لبنان
نحن هنا، أبعد ما يكون عن المونتاج الخطي أو الهمّ التوثيقي، نسمع ما نرى، ونرى ما نسمع، حسب أمثولة غودار الشهيرة. هناك تفاوت دائم بين ما نرى ونسمع. الشريط الصوتي هو روح الفيلم مثلما المونتاج عموده الفقري. يجرفنا نصّ شعري لغسان سلهب. «كثيرة هي الفخاخ... كثيرة الضحايا. وليس من مجرى». سرعان ما ينخفض الصوت أو يمّحي، ويتداخل مع مؤثرات أخرى: طلقات ناريّة وقصف، روايات شهود، وثائق أرشيفيّة، الكمان الأوسط الحزين (بيتريس فاسكس) أو الروك المتوتّر (وودن شيبس)، وصوت المذياع الذي يعيدنا إلى زمن الحرب الأهليّة الأخيرة.
المادة البصريّة هي الأخرى غنيّة ومتراكبة. هناك مشهد البحر الذي يؤطر الفيلم. بيروت من البحر. دائماً البحر. حطام آليات عسكرية تحت الماء، أو في عراء الطبيعة، حيث تبدو تجهيزاً أو عرضاً دادائيّاً. هناك أيضاً مشهد «روائي» مكرّر بأشكال مختلفة، لمقاتل يجهّز رشّاشه ويلقّمه، يلبس سترته العسكريّة، يمشي يجلس ينتظر... لقطات بانوراميّة من داخل هيكل عمارة مبقورة من بقايا حرب غير بعيدة. عودة إلى الأم تتذكّر وتروي...
«١٩٥٨» مقطوعة سمعيّة وبصريّة... مقطوعة موسيقيّة كئيبة، سوداويّة، رقيقة، تتوازى فيها الحكايات والأحداث التاريخيّة والأزمنة، كما تتراكم الأصوات والأنغام والمؤثرات والكلمات، فيحجب بعضها البعض الآخر، لتكوّن قصيدة تراجيديّة (مرثاة؟) لبيروت التي أمضى غسّان سلهب وقته يطارد أشباحها: «أشباح بيروت» (١٩٩٨) عن العودة إلى المدينة، تزامن مع انتهاء الحرب. «أرض مجهولة» (٢٠٠٢) يطرح سؤال الإقامة فيها ووهم الإعمار. «أطلال» (٢٠٠٦) يحكي عن النزول إلى قاعها بعد الزلزال.
«واحد اثنان ثلاثة...» يقول الصوت فتنطلق القذيفة من صورة أرشيف بالأبيض والأسود. لقد حقّق غسّان سلهب فيلماً حميماً، يخصّنا، عن بقعة من العالم مسكونة بلعنة سيزيفيّة، لم يتغيّر عليها شيء بين «حلف بغداد» و... «محور الخير» لولا أن المتحاربين تبادلوا مواقعهم أحياناً. يقول مستوحياً عنوان قصيدة شهيرة لأبولينير: «مثل متربّص كئيب أراقب الليل والموت». إنّه «المتربّص الكئيب» حقّاً، يراقب بيروت من جهة البحر.