بيار أبي صعب

ما زالت تكتب كمن يتهجّى جسده، كمن يتعرّف إلى رغباته، أو يسعى إلى ترويض العالم عبر مناكفته ثم غوايته وهكذا دواليك. تشاغب بثقة صبيّة مدللة لا ينقصها شيء، بنزق طفلة مكتفية لا تريد أن تكبر كثيراً، هي التي نضجت قبل الأوان، وشقّت طريقها المبكرة بعذوبة في عالم قصيدة النثر. ذلك الهدوء لا يلغي علاقتها الصداميّة بالخارج، ولا غربتها، ولا حيرتها المضمرة. ولا يخفّف من وطأة الفراغ الذي يتعقّب خطاها. والسلام الظاهري لا يلطّف من حدّة القطيعة مع الأماكن (والوجوه) التي فقدتها: «وجدتُ أن لا أحد يسامح أحلامي/ وأنّه عندما أريد أن أرجع/ لا يبتسم لي الطريق». كل ذلك كثير على طفلة في النهاية، ولو على أبواب الثلاثين. لعلّه الطيش، لعلّها الخفّة، يعفيان رنا التونسي من أن تتحمّل مسؤولياتها كاملة. لعلّه الشعر، خطّة ناجعة للهروب تارةً، وللتمرّد تارةً أخرى. «سأرحل وحدي نحو بلاد جديدة/ سأنتظر أن يلاقيني شخص ما/ ويسألني عن الشعر».
تتصفّح «قبلات»، مجموعتها الجديدة عن «دار ميريت» القاهريّة، فتقع على قصيدة أليفة، وعبثاً تقيس المسافة التي تفصلك عن سابقتها «تاريخ قصير» («دار النهضة»، بيروت، 2007). إنّها الشقاوة نفسها التي سرعان ما تستسلم لها بلا شروط: «كأنني المرأة النائمة في اللوحة العارية/ والأيّام... نهر يسيل على الخدين». ثم تصل إلى الجزء الثاني، وهو بعنوان «نثار صوت أمّي»، فتقع على كتابة أخرى، طاعنة في النثر وأكثر نضجاً وقدرة على التكثيف والمراكمة. تخال أن الشاعرة المصريّة كبرت فجأة، ما يكفي كي تكتب أن «الموت داخل القصيدة أقسى من الموت داخل الحياة وخارجها». فإذا بها تضيف مباشرةً: «أضربُ بذيلي الهواء»...