سبعة وجوه ملوّنة... وفطرة الحب الأولىاستعادت أبو ظبي محطات من مسيرة النحات والتشكيلي العراقي الراحل. رسوم تلخّص جزءاً من تجربته التي مثّلت قطيعة مع الجيل الأول من الروّاد

الأصدقاء الذين زاروا بغداد قبل الاحتلال، تحدثوا عن مسرّاتهم في شارع أبي النوّاس. لكنّ أحداً منهم لم ينتبه إلى أنّ تمثال أبي النواس، الجالس على ضفّة دجلة نديماً أبدياً لأحزان العراق، هو لإسماعيل فتاح الترك (1934 ــ 2004). مجّد هذا الرائد الموتى في تماثيل «الرصافي»، و«الفارابي»، و«الواسطي»، و«نصب الشهيد». فعل ذلك رغم مجاهرته بخوفه من الموت الذي أمهله 70 عاماً كانت كافية ليعيد تشكيل ملمح مغاير للوحة والنحت في المحترفين العراقي والعربي.
37 عملاً للترك عرضتها أخيراً «هيئة الثقافة والمسرح والتراث» في أبو ظبي، المدينة الأخيرة التي عاش فيها قبل أن يطلب نقله إلى بغداد حيث أغمض عينيه. المعرض الاستعادي افتقر إلى أعمال الترك النحتية، بعدما منعت الحكومة العراقيّة خروج أعمال الروّاد من البلاد خشية النهب. تعود لوحات المعرض إلى مراحل مختلفة من تجربة الترك، أقدمها يعود إلى 1994، وأحدثها ينتمي إلى «تجربته القطريّة». سبعة أعمال من بين الأعمال المعروضة أصلية، والباقي نسخ عن أعماله في مجال الغرافيك، لكنّها كافية لتقديم إطلالة على فرادة هذا الفنان. أعمال تبحث في علاقة الرجل بالمرأة باعتبارها معياراً وجودياً، وتنتصر للحزن الذي نراه مضيئاً وجوهرياً.

رفض «المحلية في الإبداع» وبقي عاشقاً ضاحكاً فوضوياً حتى الرمق الأخير
الأعمال الأصليّة المعروضة («وجه وردي ملون»، و«فتاة بلا عيون»، و«سبعة وجوه ملونة»...) جزء من شغله على إيجاد آليات لونية وأدائية تُقدم الشكل بتقشّف واقتصاد، وتختبر في التجريد حساسيات جديدة. هنا، اختبر طرقاً للافادة من خطوط وإيحاءات الشكل البشري والوصول به إلى ديناميكية خاصة قادرة على إبراز المأساة الإنسانية.
الترك نحّات كبير. لكنّه لم يترك الرسم يوماً، بل كان صاحب مبادرات أثارت الجدل منذ معرضه الفردي الأول عام 1994 الذي أقامه بعد عودته من دراسة الفن في روما. كانت أعماله صادمة، انقلب فيها على جملة المميزات الجمالية للوحة العراقية آنذاك. مثّلت تلك التجارب التي انتقلت في العام نفسه إلى بيروت، قطيعة مع المنجز العراقي لجيل الرواد الأول.
لم يشتغل الترك على مواضيع كثيرة. كان الإنسان هاجسه، واستطاع من خلال تكويناته البسيطة في الشكل الوصول إلى إنجاز أعمال لها مزاج بصري خاص، جامعاً بين تأثراته الثقافية وموروثات اجتماعية وتاريخية. لم يتحايل على الشكل بمعناه التفصيلي، ولم يكن ميّالاً إلى إلغائه رغم تقشفه التعبيري المعهود. في كثير من تجاربه، كانت أعضاء الجسد البشري، خصوصاً الحميمة، تظهر بجرأة تؤجّج من فعل العاطفة في كل توليف لوني. كان الحب موضوعه المفضل. لوحات لرجال ونساء عراة وبأحجام كبيرة في أجواء تعيد علاقة الرجل بالمرأة إلى وحشيتها وفطرتها. في سنواته الأخيرة، وضع مخططات ونماذج لمشاريع نحتية عملاقة، منها مشروعه غير المكتمل الذي اشتغل عليه في قطر. كان عبارة عن جيش من العمالقة بارتفاع مترين يشبه جيش «التيرّاكوتا» الصيني، لكن المرض منعه من إتمامه. لا تليق صيغة الماضي بالحديث عن الترك. لقد أعطى للنحت أهدافاً جديدة، ورفض فكرة «المحلية في الإبداع». انطلق مبتعداً عن تأثيرات أساتذته، خصوصاً المعلم جواد سليم. لأهمّ أنّه ظلّ أميناً للحب والحياة التي عاشها، عاشقاً ضاحكاً فوضوياً حتى الرمق الأخير...
حازم...