دمشق ـــ خليل صويلح

كأن العدسة تمتص مكمن الألم في الجسد وتضعه في الوجوه وحدها. التشويه الذي يقترحه هذا التشكيلي السوري ليس مجرد نزهة غرافيكية، بل يقع في صلب انشغالاته التعبيرية وتطلعاته الجمالية، لإنجاز سيرة ذاتية مبهمة لشخوص يعيشون محنة وجودية. وإذا بالوجه مفكرة تعج بيوميات وأحاسيس ورغبات تنطوي على عزلة لا فكاك منها. هكذا صرف معلا سنتين في تأطير بورتريهاته في حالات متنافرة يجمعها «الصمت» كمفردة تتفجّر بمعانٍ لا تحصى. طرحة العروس التي تتكرر في إحالات غرافيكية متباينة، تخطفنا إلى فكرة الكفن، إلى القلق من مصيرٍ مجهول.

نستدعي جماليات القبح لدى بيكون
السطح التصويري يغرق في العنف اللوني المحتدم باللذة والفناء في آن. نستدعي لوهلة أرشيف جماليات القبح من معجم فرانسيس بيكون، أو وجوه عادل السيوي. لكن القبح لدى معلا ليس مطلباً بحد ذاته، بل مسعى إلى فضح ما يعتمل في الداخل، أو صرخة احتجاج طور الانفلات، فالصمت المتراكم ينبئ عن شهوة تمرّد. ولعل العسف الذي كوّن به هذا التشكيلي والباحث الجمالي مفردات الحواس يبطن لحظة خراب كاملة: العيون مغمضة أو في حالة عمى مطلق، لذلك لن نجد فرقاً واضحاً بين معنى الزفاف ومعنى الموت بين بورتريه وآخر.
هناك وردة ذابلة بالقرب من العروس، كأنها ذاهبة إلى مقبرة. عبرت وجوه طلال معلا وهاداً ومنعطفات لتصل إلى هذا التلف الروحي. إذ سبق أن أنجز تسعة معارض تتمحور حول «صمت الوجوه». حالما نغادر خطوط الوجوه وملامحها المترعة بالأسى، سنتوقف عند سطوح تجريدية في مقامات سردية نزقة تعكس مرايا الشخوص في تقشّف لوني يحيل على قحط ذاكرتها وجفافها الروحي وإدراكها الغامض بؤس مصيرها. هل أراد معلا أن يحشد هذه الوجوه الصامتة في صرخةٍ احتجاج واحدة؟ هذا ما سيشعر به المتلقّي وسط متاهة الوجوه، إذ ستهبّ روائح، وستتفتّح العيون المغمضة على منظر آخر مفتقد في مدوّنة بصرية نقلّبها على مهل، هي في الواقع مدونتنا الشخصية بكل آلامنا وخسائرنا التاريخية في التدريب المستمر على فقدان النطق.