معرضه اللندني «صنع في الحرب» على غزّة


حازم سليمان
يتوّج الحزن أعمال التشكيلي الفلسطيني حازم حرب بعمائم من دخان وغبار وألوان موجعة وقاسية. كأنّه يروّض تاريخاً من المواجع التي سمع بها أو اختبرها شخصياً، ويُنجز منها فرجة بصريةً تتجاوز الكثير من المفردات التي ألفناها في أعمال جيله من التشكيليين الشباب.
ليس هناك من يقين في أعمال حرب (غزّة ــ 1980): عبث في الهوية والانتماء، وتجسيد للضريبة الدموية التي يدفعها الفلسطيني كي يستحق وطناً. مفردات هذا التشكيلي تضع أعماله في امتحانات قاسية. أيهما أنا؟ ذلك الفلسطيني المكسور؟ أم الشاب القلق المقيم في أوروبا؟ اللوحة عند حرب تفقد معناها من دون عمل إنشائي قربها. والصورة تضيع دلالتها عند فصلها عن الفيديو آرت. والنتيجة معرض ينقسم إلى أجزاء فنية عدة، ويحمل عنوان «هل هي المرة الأولى لك في غزة؟».
معرضه الذي استوحاه من عدوان غزة وتستضيفه قاعة «موزاييك» في لندن، لن يكون الأخير في سلسلة معارضه الأوروبية. أعماله التي تنقّلت بين فلسطين، وإيطاليا، وفرنسا ودبي تلفت الانتباه والاستقطاب. السبب؟ أنّها منجزة بهدوء شديد، ومشحونة بأفكار وأدوات تعبيرية تنتمي إلى العصر الراهن. كما أنّ الجانب العلمي والبحثي في ما يقدمه من فن يفوق المادة العاطفية الموظّفة فيه. هنا، يصير بمقدور العمل الفني أن يكون مادةً توثيقيةً، يقدِّم المعلومة على شكل أرقام وإحداثيات جغرافية وديموغرافية ويكون أيضاً مساحة للتعبير الفني والقراءة الجمالية.
يرسم حازم حرب كي يكون جزءاً من العالم، حاملاً في رأسه وأعماله جملة من الأسئلة والافتراضات. هل ينتهي الحزن بالموت؟ هل يتلخّص الفرح في إلغاء المعابر؟ هل يمكن هوية المرء أن تكون لعنته الأبدية؟

«مانيكانات» ملفوفة بالشاش في صندوق أسود وشرائح رقمية لهشاشة الجسد
معرضه الأخير هو مشروع انتقائي، أو توليفة بصرية من مجمل أعماله ومعارضه السابقة (من عام 2006 حتى 2009). وهو يريد أن يكون هذا المعرض بدايةً لمرحلة جديدة، ويتضمن 32 عملاً بينها مجموعة «هل هي المرة الأولى لك في غزة؟» (تصوير رقمي وفيديو آرت)، وستة أعمال تستفيد من تقنية مزج المواد المختلفة على الورق، ومجموعة «رقصة الهروب» (مواد مختلفة على كانفاس) التي تتألّف من أربعة «فصول» تعكس الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2009، و«الفضاءات الفارغة وعوامل التآكل» (تصوير رقمي)، إضافةً إلى عدد من اللوحات ذات الحجم الكبير. كأنّنا بحازم حرب أراد لجميع هذه التجارب أن تقدّم وجهة نظر واحدة عن حجم الإذلال الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني على المعابر الإسرائيلية: العلاقة مع المكان ضمن مفهومي الحضور والغياب، والحرب، والمنفى، والهوية بمعناها الإنساني لا السياسي.
في بروشور المعرض، كتب حازم حرب: «ليس هناك تجسيد أفضل لجملة «غزّة هي سجن ضخم» أكثر من اختبار عملية الدخول إلى القطاع والخروج منه... في الفيديو، أستعيد المناخ الذي يسود تلك الأماكن التي يسمّونها «معابر»، حيث مناخ قمعي يبتلع المسافر ويُغرقه».
لا تخضع أعمال حرب لمنهجية محددة ولا يضعها في سياق بصري واحد. تقوم اللوحة لديه على تكوينات وخطوط ومساحات لونية قوية صارخة ليس فيها الكثير من التشذيب و«الهندمة». الفطرة والوحشية والخطوط الملتوية والجهد العضلي، جميعها سمات تجعل من لوحة حرب، الذي درس الفن بين فلسطين وفرنسا، مساحةً اختبارية لمرجعيات ثقافية وإنسانية عدة. تقنيات وتكوينات تؤكد ذلك القلق المحفور في وجدانه كفلسطيني، والجهد الذي يبذله لتخليص أعماله من الانفعال الوطني المباشر، وتحميلها قضايا جوهرية في حياة الإنسان المعاصر مثل المنفى والصدمات النفسية. رغم أنّ حرب ترك فلسطين منذ مدة غير قصيرة، فإنّه لا يزال عالقاً هناك. عند أحد المعابر التي اختبر فيها الذل... ولا تزال تلك التفاصيل الصغيرة البسيطة التي يغرق فيها في لحظات الحنين والتذكّر، تدفعه إلى إشباع تجاربه بكثير من الأفراح واللحظات الإنسانية المهملة. وكما يقول «الحياة مغامرة مرحة بكل ما فيها من متاعب وأحزان وتجارب مؤلمة».
نراه أحياناً ساخراً من فكرة الحرب والموت العبثي، كما هو في تجربته «صنع في الحرب». المشروع هو عمل تركيب في فراغ يعود إلى عام 2007 ويتناول مفهوم الحرب بطريقة كوميدية من خلال آلة مصنعية تنتج الموت. عُرض على شكل صندوق ضخم من الزجاج محاط بصندوق آخر من الحديد. وفي عام 2008، أنجز عملاً بعنوان «أجساد تحترق» عرض فيه مجموعة من «المانيكان» ملفوفة بالشاش والقطن الطبي داخل صندوق أسود وصور لشرائح رقمية لشكل الجسد البشري وهشاشته.
يضع حازم حرب أعماله أمام تساؤلات عدة. لا ينظر إليها ـــــ رغم اكتمالها ـــــ على أنّها أمر منجز، ولا يعطيها هوية محددة. هذه الميزة المختبرية تجعله يقف على أرضية صلبة من التجريب في الموضوع والأدوات، وتمنح لعبته الفنية قيمة المغامرة والفوضوية اللازمة أمام عالم فوضوي إلى هذه الدرجة... ولعلّ معرضه الذي يحكي الوجع الفلسطيني عند المعابر، يأخذ بعداً آخر حين نعرف أنّ والدته توفيت منذ أيام في غزة، فيما الاحتلال الإسرائيلي منع العائلة من دخول القطاع المحاصر لمرافقتها إلى مثواها الأخير!


حتى 25 آذار (مارس) الحالي ـــــ The Mosaic Rooms (لندن) ـــــ للاستعلام: 00442073709990