سبعة أشهر مرّت على صرفها الثاني من صحيفة «النهار» لـ«أسباب مالية». وتزامن هذا الصرف مع صدور الطبعة الثانية من كتابها «صحافية بثياب الميدان» الذي وثّق مراحل الحرب الأهلية


ليال حداد
كانت مي ضاهر يعقوب لا تزال في أوّل عشرينياتها (1973)، حين دعاها رئيس تحرير «النهار» التنفيذي، حينها، إدمون صعب، للعمل في الصحيفة. لكن الحرب الأهلية سرعان ما اندلعت، ووجدت هذه الصحافية نفسها في الميدان من دون أي تمهيد مسبق.
بين الكرنتينا والجبل، وبين النبعة والضاحية الجنوبية، تنقّلت يعقوب، محاولةً البحث عن أسباب الحرب، التي بدا واضحاً أنها لم تكن طائفية فقط. في الأحياء الشعبية، لمست الصحافية الشابة، معنى الحرمان والتهميش، وتأثير غياب الدولة عن تأمين الحدّ الأدنى من الحياة الكريمة لأبناء الضواحي. هناك، فهمت حقيقة الصراع الطبقي، بين فئات غنية، وأخرى محرومة تعيش على هامش الوطن. «لم أكن أرى غير البؤس والتعتير، أينما كانا وإلى أي طائفة انتميا» تقول في كتابها «صحافية بثياب الميدان» (طبعة أولى، «رياض الريّس» 2004 ــــ طبعة ثانية، خاصة، 2010). ولكن هذه النظرة لم تعجب كثيرين، وبدأت الاتهامات تنهال عليها وعلى الصحيفة، من الميليشيات المسيحية التي رأت في سلسلة تحقيقاتها «ترسيخاً لوجود هذه المناطق الشعبية الإسلامية وتقوية لها».
اليوم، تستعيد هذه الصحافية الخمسينية تلك الفترة، وتؤكّد لـ«الأخبار» أنه لو عاد بها الزمن إلى السبعينيات، فإنها ستعيد كتابة التحقيقات ذاتها.
قال كثيرون إن مي ضاهر يعقوب لا تشبه «النهار»، بل بقيت خارج كل المعارك السياسية التي خاضتها هذه الصحيفة، وحافظت على مهنيتها، رغم تغيّر سياسة الصحيفة أكثر من مرّة. تؤكد يعقوب ذلك، وتقول إنّها تعاطت مع كل الملفات من منطلق اجتماعي لا سياسي. وهو ما يعتبره هؤلاء سبباً وراء صرفها مرتَين من هذه المؤسسة. المرة الأولى عام 2000، ثم في عام 2009، بعدما عادت إليها عام 2006.

تعتبر أنّها لو كانت تنتمي إلى خندق سياسي معيّن، لما تخلّت عنها «النهار»
لكن يعقوب لم تسكت عن حقّها. رفعت دعوى صرف تعسفّي ضدّ «النهار»، بعد مغادرتها للمرة الأولى. وفازت بهذه الدعوى عام 2004. في العام نفسه، أصدرت الطبعة الأولى من كتابها، «قال لي زوجي إنّ الكتاب وحده قادر على أن يحفظ لي حقّي». وبالفعل، وثّقت يعقوب في الكتاب بطبعتَيه الأولى والثانية، المرحلة الممتدة من عام 1975 حتى عام 1990، مروراً بالمفاوضات اللبنانية مع الاحتلال الإسرائيلي وأدّت إلى «اتفاق 17 أيار». وقد تحدّثت عنها بإسهاب في الطبعة الثانية. ثمّ انتقل الكتاب إلى مرحلة «السلم الأهلي» وصولاً إلى عام 2000. وأخيراً بعض المقالات التي كتبتها في الصحيفة السبعينية، بعد عودتها إليها عام 2006.
لم تكن تجربة هذه المرأة سهلة. لم تختر بنفسها أن تكون مراسلة حرب، «لكن الحرب فُرضت علينا، وكان يجب أن نواجه». هكذا وجدت نفسها في صلب الحرب، طيلة 15 عاماً. وأبرز مراحلها، متابعة المفاوضات بين فريق الرئيس أمين الجميّل، والجانب الإسرائيلي. وبعد مرور سنوات طويلة، تغيّرت نظرة مي ضاهر يعقوب إلى عالم الصحافة «اليوم أصبح الهمّ الأساسي هو الاسترزاق». لكنّها تقول إن بين الصحافيين الموجودين حالياً، قسماً كبيراً من الأشخاص الذين يمارسون مهنتهم بدافع حبّهم لها ورغبتهم بالبحث عن الحقائق.
ولكن كيف تنظر مي ضاهر يعقوب التي قضت سنواتها في «النهار» على جبهات القتال والمعارك، إلى هذه الصحيفة السبعينية اليوم؟ وأين تصنّف «النهار» التي يعتبرها كثيرون أعرق مؤسسة إعلامية في لبنان؟ لا تبدو الإجابة عن هذا السؤال سهلة بالنسبة إليها. مع ذلك، ترى أنّ «النهار» حالياً مقسومة إلى ثلاثة أقسام: «المحليات السياسية، والمحليات غير السياسية، والدوليات». ولعلّ انتقادها الأشدّ يطال القسم السياسي، «هناك حدود في الأخبار والمقالات، كما أن هناك توجّهاً سياسياً واضحاً ومناصراً لفريق 14 آذار». وتضيف «لم يعد هناك وجود للرأي الآخر في هذه الصفحات، وخصوصاً بعد مغادرة إدمون صعب». وانطلاقاً من هذا الواقع، تؤكّد أن عدداً كبيراً من القراء الأوفياء انفضّوا عن هذه الصحيفة.
اليوم، تعمل يعقوب في مجلة «بيزنس ويك» بعد صرفها في أيلول (سبتمبر) 2009، من «النهار» للمرة الثانية، بحجة «الأزمة المالية». لكن الواقع يبدو مختلفاً بالنسبة إليها، فـ«حجة الأزمة المالية غير مقنعة. الصحيفة لا تزال حتى الآن تعاني عجزاً مالياً رغم صرف كل هؤلاء الموظفين، حتى أنّ دفع المعاشات صار يتأخّر». سبب الصرف بالنسبة إليها يكمن في مكان آخر «لو كنت مصطفة سياسياً، لما كانوا تخلّوا عنّي».


صحافة نسائية