كونشرتو تلفّع بـ«البشارف» و«اللونغات»

«الكونشرتو العربي» الذي يأتي بعد «جدل» و«كونشرتو الأندلس» و«بساط الريح» و«حلم ليلة صيف»، قدّمه الموسيقي اللبناني أخيراً في «أوبرا» دمشق

هالة نهرا
في «الكونشرتو العربي» الذي قُدّم أخيراً على خشبة «دار الأوبرا» في دمشق، ما يستحقّ التوقّف عنده. ثقافتان موسيقيّتان يخيطهما المؤلّف اللبناني مرسيل خليفة. خيطٌ واحد يربط نبض الحاضر بمنظومة أصواتٍ ماضية. العمل الذي أُردف بمقطوعة «تحيّة» لا يشي بحركة تحوّل. انسيابيّته وسلاسته تنمّان عن نزعة إلى الهدوء والرويّة. أفكارٌ صاغها الفنّان المتمرّد بعناية وأمانة. لعلّه من المؤتمنين المعدودين على الذخر الفنّي العربي. يتسلّل في جديده إلى خزائن الذاكرة. يخرج ما حُفظ فيها من تنوّع مقامي وإيقاعي ولحني. يطوّع الموروث لصقله وعصرنته. أمّا قالب «الكونشرتو العربي»، فلا يشبه الكونشرتو الكلاسيكي المكوّن من حركاتٍ ثلاث. إذ يميل شكلاً ونوعاً إلى «المتتالية» («سويت»).
تأتي تسميته من دلالات مصطلح «كونشرتو» (بالإيطالية). استُلّت تيماته من التراث البيزنطي، والنفَس الفارسي، والمقام العراقي، وإيقاع الصحراء العربية. نصٌ يتلفّف بعباءة «البشارف» و«السماعيّات» و«اللونغات» التركية. يتدثّر بالغناء الجبلي والساحلي، والدور المصري، والقدّ الحلبي، والطرب. طُعّم هذا العمل السمفوني بثلاثة أرباع الصوت، ما يميّزه عن سواه. طابعٌ مشرقي عربي آسر يغلّف نسيجه. والكونشرتو الموشّى بالأداء المغاربي والأندلسي قائمٌ على فكرة الحوار. جدلٌ يدور بين الأوركسترا وأربع آلات عربية (العود، القانون، البزق، والناي). يصل بين روح الشرق القديم وأوركسترالية الغرب. يحاكي «الزمن الموسيقي الشرقي وأصواته»، كما يقول خليفة. بطّنه بالسيكاه، والراست، والبياتي، وراحة الأرواح، وغيرها من المقامات المتجذّرة في الموسيقى العربية. أمّا الإيقاعات، فمتأرجحة بين «المصمودي»، و«الوحدة»، و«المخمّس» العربي، والدور الهندي. ينطلق المؤلّف في عمارته المتناغمة من الموروث المحلّي والقومي، إلى فضاءٍ عالمي. وقد أعلنه «زمناً موسيقيّاً متعدّداً يمتنع عن التنميط أو التعيين النهائي».

بعيداً عن الإسقاطات الهارمونية على المقام العربي
قِطَعٌ متعاقبة ومتلاحمة تنأى عن نمطيةٍ تأليفية تسيّر غالبية النصوص العربية الأوركسترالية المتضمّنة ثلاثة أرباع الصوت. ثمّة حوارٌ مفتوح في الكونشرتو «بين الأنا والأنا، وبين الأنا والآخر»، وفقاً لمرسيل. كأنّه نافذة مفتوحة على التعبير الفنّي والإنساني وحرّية التجريب. جديدٌ يعي حدود المغامرة. يدرك ما لا يمكن المساس به. وُضع صاحب «جدل» هذه المرّة أمام مسؤولية كبيرة، فـ«الموسيقي العربي مطالَبٌ بالتماهي مع هويّته المحاصرة والسليبة في الوطن والعالم». وقد أسهم في تنفيذ الكونشرتو أكثر من مئة عازف. رغم أهمّية العمل الذي أدّته أوركسترا قطر الفلهارمونية (بقيادة نادر العباسي)، إلا أنّ وُصَله لم تكن كلّها جديدة. تألّفت الخلطة التوليفية من جديدٍ فعليّ وتآليف قديمة متنوّعة أُعيد توزيعها بما يتلاءم مع مقتضيات الكونشرتو.
هناك استحضارٌ لكمّ من التراكيب والجُمَل الميلودية المكتوبة سابقاً. ويعيدنا «الكونشرتو العربي»، بهذا المعنى، إلى مناخ «جدل» و«كونشرتو الأندلس» و«بساط الريح» و«حلم ليلة صيف». هو أسلوب مرسيل السيّال والخاص. مادّةٌ سمعية نظيفة ومصوغة، تستنبط الدفين من كنوزٍ تعبيرية شرقية. كأنّ خليفة يؤكّد في ما أقامه أنّ الموسيقى العربية لا تقتصر على الصوت والغناء التقليديّين، وأنّ التأليف العربي الأوركسترالي قابلٌ للتطوير. يبسطه عدّاداً لقياس المسافة بين المنجز والمستحدث، وبين العصيّ والممكن. إضافةً إلى أهمّية الكونشرتو المسبوك، نلحظ تمرّس العازفين الآتين من بُقَع جغرافية متباعدة. هو بحثٌ عن المشترك والمختلف في آن. وما يستميل المسامع يكمن في الأَسطُر المؤسلبة المكتوبة للبزق، والعود، والناي، والقانون في حركة مدّ وجزر. عملٌ نوعي يطلّ من شرفة لبنان على العالم. تتقاطع فيه الخطوط الأفقية والعمودية بعيداً عن الإسقاطات الهارمونية على النصّ المقامي العربي. أهمّية مرسيل تكمن في إدراكه كيفية المزاوجة بين الكتابة الهندسية الغربية والنفحة العربية الأصيلة.