عمّان غائبة عن المشهد الثقافيّ العربي والعالمي. هذا ما يلاحظه أي متابع للمفكّرة الثقافيّة في المنطقة، والمسألة تستحق وقفة. لنتناول تحديداً الموسيقى في هذه العجالة: ما سرّ تصحّر المدينة التي تتمتّع بحريّة ظاهريّة وغيابها عن المشهد العام؟

الفنان التونسي ظافر يوسف، في معرض الترويج لأسطوانته Abu Nawas rhapsody أحيا حفلات في تونس والقاهرة والاسكندريّة وبيروت. العام الماضي، زار الموسيقي التونسي، دمشق وأقام فيها حفلة «لا تُنسى» بحسب أصدقائنا هناك. الأخبار تصلنا تباعاً: حفلة زياد الرحباني في «ساقية الصاوي» في القاهرة كانت حلماً تحقّق، عليم قاسيموف وأنور ابراهيم في بيروت، والإيرانيّ شهرام ناظري سيغني في فاس الشهر المقبل.
لماذا يقفز كل هؤلاء عن عمّان؟ لا يمكن فعلاً وصف الموسيقى التي يقدمونها بالنخبوية، بالنظر إلى شعبية كل منهم. إلا أن التساؤل عن الحضور الأردني الذي يمكنه ملء كراسي حفلاتهم، هو أمر مشروع. مع أنه يُفترض أن المثقفين هم النخبة التي تلتفت إلى التجارب الجادة والمختلفة، لكن تبقى الحفلات والنشاطات خاوية من المثقف الأردنيّ.
تجارياً، هذا مقتل لمن يودّ استضافة فنان بهذا الحجم. هذا ما تسرّ به لمى حزبون من مؤسسة Orange Red لتنظيم الفعاليات. هي من الذين حاولوا إيجاد نقطة توقُّف لظافر خلال جولته «وكيل أعماله طلب مبلغاً مرتفعاً مقارنة بالعواصم المجاورة». ليست هذه هي المشكلة الوحيدة، فحزبون تخشى من جهل المؤسسات التي يمكنها دعم الحفلة.

انتقدوا كاميليا جبران الـ«حافية... بسواد الصوفية»
هذا يذكّرنا بحضور حفلة زياد سحّاب ضمن «مهرجان موسيقى البلد» السنة الماضية. إضافة إلى مراسلي الصحف اليوميّة، لم يحضر الأمسية أكثر من 40 شخصاً. المشكلة لا تتوقف عند الوعي والذائقة الموسيقيّة. هناك مشاكل تتعلّق بدرجة نضج الجمهور وانفتاحه، أو تشنّجه وانغلاقه. فالبلد الذي تطوّق حريته رقابة ذات معايير فضفاضة، أولها الدين وليس آخرها العادات، كيف تراه يستقبل موسيقيّاً مثل ظافر يوسف ليغني «كفرتُ بدين الله، والكفر عند المؤمنين حرامُ»؟ نشير هنا أيضاً إلى الرقابة الذاتيّة التي تمارسها بعض الجهات الثقافيّة والإعلاميّة بمبادرة خاصة منها. في العام الماضي، امتنعت جريدة «الدستور» عن توزيع عدد «كتاب في جريدة» لاحتوائه مختارات من شعر أبي نواس قد «تسيء إلى القراء». ولم ننسَ أن إحدى الصحف اليوميّة، انتقدت كاميليا جبران قبل سنوات، لظهورها على المسرح «حافية ومتسربلة بأردية السواد الصوفية الممزقة والمغيبة ملامحها الأنثوية».
ربّما لم تكن حفلة محمد رضا شجريان، وهو أحد أساتذة الغناء الإيرانيّ، ستستقطب في عمّان الجماهير الواسعة... لكن السلطات الأردنيّة رفضت منحه تأشيرة دخول للمشاركة في «مهرجان الموسيقى الصوفيّة»... هكذا تتصحّر عمّان، يوماً بعد آخر، لتعيش على هامش (موسيقى) العالم...
أحمد...